راديو الاهرام

العرب والصين بين طريقي البخور والحرير .. ماذا قالت نقوش الأنباط في صحارى مصر؟ | صور

9-12-2022 | 11:29
العرب والصين بين طريقي البخور والحرير  ماذا قالت نقوش الأنباط في صحارى مصر؟ | صور طريق الحرير القديم
محمود الدسوقي

يجزم المؤرخون كما تدل النقوش الأثرية على الصلات الوثيقة بين الصين ومصر والدول العربية منذ قديم الأزل، حيث طريق البخور العظيم الممتد من اليمن جنوباً حتى البتراء شمالا، ومن خلال طريق الحرير الممتد من الصين والهند وإيران حتى البتراء وسواحل البحر المتوسط، وكان للأنباط الذين كانوا يسكنون في صحراء مصر الشرقية وسيناء والأردن وسوريا دورهم الأساسي في معرفة مصر بالصين.

ويعتقد المؤرخون أن تاريخ الأنباط كبدو رُحل يعود إلى آلاف السنين إذا أثبتت النظريات التاريخية والدراسات والأبحاث أنهم هم المقصود ذكرهم في الحوليات الآشورية والكتاب المقدس والنقوش السبئية القديمة ، وربما كان الأنباط قبيلة عربية مستقلة باسم "نبطو" أو ائتلاف من عدة قبائل عربية، حيث أنه من المؤرخين من يذكر أن الأنباط عرب يعود أصلهم البعيد إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، ولكنهم أمضوا وقتًا في وسطها وهم في طريقهم إلى الشمال وعبدوا بعض المعبودات العربية في هذه المناطق من وسط شبه الجزيرة العربية ، كما أن تسميتهم مشتقة من كلمة (ن ب ط) نبط السبئية الجنوبية القديمة، ويعنى استنباط الماء أو استخراجه من باطن الأرض، ثم انتقلوا إلى شمال غرب شبه الجزيرة العربية واستقروا بها حتى إن أسماءهم وأغلب معبوداتهم كانت عربية شمالية.

كان الأنباط يقومون بدور رئيس في تجارة البخور والعطور، حيث لعبت قبائلهم دور الوسيط التجاري بين جنوب بلاد العرب وشماله، حيث كانوا ينقلون السلع التجارية إلى سوريا وغزة على البحر المتوسط أو غربا إلى سيناء ومنها إلى مصر ، كما أن المؤرخ ديودروس ذكر أن الأنباط يعملون بالتجارة ويجنون منها أرباحًا طائلة، وهذا دليل على ما بلغه هذا المجتمع من تحضر وتقدم لأن العمل بالتجارة يدل على تقدم المجتمع وتحضره لما تفرضه حياة التجارة من احتكاك وتأثر بالمجتمعات المتقدمة والأرباح التي تساعد على التقدم والتحضر والتنظيم والاحتكاك بالحضارات المتقدمة الذي ينقل الخبرات والثقافات مما يدفع إلى التطور والتمدن.


النقوش النبطية

أما النقوش النبطية في صحراء مصر الشرقية يظهر فيها بوضوح التأثيرات اليونانية والرومانية سواء في تسمية الأنباط بأسماء يونانية رومانية صرفة أو نبطية متأغرقة، كما استخدموا الحروف اليونانية اللاتينية في كتابة هذه الأسماء، ونظراً للتشابه الكبير بين هذه النقوش النبطية التي تم العثور عليها في صحراء مصر الشرقية والتي تنتمي إلى الفترة الرومانية وبين النقوش النبطية في مدائن صالح وما حولها، إنما يدل ذلك على أن الأنباط الذين دونوا نقوش الجزء الجنوبي من صحراء مصر الشرقية قد جاءوا إلى مصر من منطقة مدائن صالح وما حولها ابتداءً من القرن الأول قبل الميلاد، أي حوالي الفترة الزمنية التي سيطر فيها الرومان على مصر ، كما سيطر الرومان في هذه الفترة أيضا على مدائن صالح في أعقاب حملة "يوليوس جالوس" على بلاد اليمن عام 25 – 24 ق.م، ومن دراسة نقوش منطقة مدائن صالح في شمال غرب شبه الجزيرة العربية.

ويوضح الأثريون أن الأنباط خلال الفترة التي أعقبت حملة "يوليوس جالوس" كانوا يشاركون في حراسة الطريق التجاري العظيم بفرق من الهجانة ، ربما لصالح خدمة التجارة الرومانية في هذه المناطق بعد سيطرة الرومان عليها وعلى ميناء "لوكى كومى" (الوجه حاليًا).

 ويذكر استرابون الذي عاش في تلك الفترة أن الأنباط في أيامه كانوا مثلهم مثل السوريين خاضعين لسلطة لرومان، ولكن لا يعنى هذا الخضوع أن تكون دولة الأنباط ولاية رومانية في هذه الفترة، ولكن ربما يعنى ذلك أن الأنباط كانوا خاضعين خضوعاً اسميًا فقط من خلال دفع جزية للرومان ومشاركة الجيوش النبطية للرومان في فتوحاتهم وحروبهم وحراسـة، والطرق التجارية.

 وأوضح الدكتور الراحل الأثري راجح محمد، المتخصص في تاريخ الأنباط ، أن الأنباط الذين سكنوا أودية وصحاري مصر، عاشوا بكثافة في صعيد مصر حتى أن المؤرخين كانوا يقولون أن قفط بقنا قطعة من مدن شبه الجزيرة العربية بسبب كثرة العرب، مؤكدًا على أن التواجد العربي في مصر أسبق بكثير من الفتح العربي لمصر عصر الخلفاء الراشدين بمئات السنين.


النقوش النبطية

 وأكد راجح، أن أول سفارة صينية تم تأسيسها في البلاد العربية كانت في البتراء عاصمة الأنباط، وكان ذلك في القرن الأول قبل الميلاد، لافتا إلى أن الأنباط الذين سكنوا الصعيد وسيناء قاموا بتعريف الصينيين بمصر والبلاد المحيطة من خلال المعابر البرية، مضيفاً أن مُسمى الأنباط يرجع إلي مُسمى ائتلاف قبائل عربية بمعني "نبطو" أو يرجع لاستخراج المياه من الصحراء كما يحدد بعض المؤرخين.

في عام 66 قبل الميلاد، أكد المؤرخ استرابون أن عدد العرب "الأنباط" تضاعف في الصعيد حتى أن مدينة قفط كانت شبيهة ببلاد الجزيرة العربية، حيث كانت لهم هجانة وأسلحة تحمي القوافل التجارية التي كانت تتجول في أنحا العالم ومنها الصين عبر طريق الحرير.

 ويوضح الدكتور راجح، أن النقوش المتواجدة في أودية مصر في الصعيد وخاصة في وادي الحمامات كتبوا نقوش وذكرياتهم وعبور التجارة، مضيفًا أن إنشاء سفارة للصين في عاصمة الأنباط في البتراء جعل كافة الأنباط في مصر والذين يقطنون سيناء وقنا والدلتا يرتحلون للصين ويجلبون بضائع تجارية من هناك.

 وأضاف أن التجارة كانت هي السبب الرئيسي في تواجد امتزاج ثقافي بين الصينيين وبين مصر، مشيرًا إلي أن الأنباط كانوا يعيشون جنب المصرين من أجل التجارة وساهموا في إثراء الحركة الثقافية من خلال دول آسيا ومن ضمنها الصين حتى نهاية دولتهم سياسيا في عام 106 قبل الميلاد، مشيرا إلي أن انتهاء دولتهم كان سياسيًا فقط بينما استمرت حركة التجارة.

 وشدد الباحث الراحل المتخصص في تاريخ الأنباط أن اكتشاف نحو 200 نقش في صحراء مصر الشرقية فقط يدل علي أن حركة التجارة من خلال طريق البخور العظيم وطريق الحرير الممتد للصين هو بداية مُهمة لعُمق العلاقة بين الدول والشعوب، مشيرًا إلي أن الصين كانت متواجدة في المشرق العربي كرائدة للتجارة ودولة صديقة تقام لها سفارات وطرق للعبور.


النقوش النبطية

بدوره يؤكد عبد الفتاح مقلد الغنيمي في كتابه "عروبة مصر قبل الإسلام"، على التواجد العربي الكثيف في مصر منذ قديم الأزل، كما تدل النقوش النبطية في مدائن صالح وصحراء مصر الشرقية أن الأنباط كانوا يشاركون في حراسة طرق التجارة بفرق من الهجانة، وأن هؤلاء الهجانة في مصر كانوا من الأنباط المستقرين بها وكانوا يتبعون جالية نبطية تتمركز في منطقة "الشقافية" شرق الدلتا، ولهم في هذه المنطقة معبد خاص بهم، كما أن بعض هذه النقوش النبطية في صحراء مصر الشرقية يتضح من دراستها أن أصحابها كانوا أصحاب قوافل تجارية، وأن بعضها يدل على أن أصحابها من الصناع الحرفيين الأنباط الذين استقروا في الصحراء الشرقية؛ لكي يمارسوا بعض الصناعات ومنها صناعة التعدين واستخراج المعادن ، ولاسيما الذهب الذي كان يستخرج من "وادي العلاقي" بالصحراء الشرقية.


آثار نبطية من مدائن صالح

وقد تعمّق الوجود النبطي خلال الفترة الرومانية في مصر حتى أن الأنباط أصبح لهم أحياؤهم التي ينزلون بها، وكانت لهم منازلهم ومعابدهم الخاصة بهم، وقد تم العثور في منطقة (قصر الغيط) القريبة من (الفرما) على بقايا أبنية نبطية، بعد دراستها اتضح أنها بقايا أبنية نبطية ظهر بها أثار أحد المعابد، كما كان لهم مستعمرات في وادي الطميلات، وهذه النقوش النبطية على امتداد الصحراء الشرقية وسيناء تؤكد ما ذكره "استرابون" (66 ق.م. – 24 م) وبليني ( 32 – 79 م)، اللذان أكدا ما ذهب إليه "هيرودوت" من أن سيناء وكل الأقسام الشرقية من مصر الواقعة بين سواحل البحر الأحمر ونهر النيل أن عدد العرب في عهديهما قد تضاعف على الضفة الغربية من البحر الأحمر، حتى شغلوا كل المنطقة بينه وبين نهر النيل من أعلى الصعيد، وكان لهم جمال ينقلون عليها التجارة والناس بين البحر الأحمر ونهر النيل.

وقد وصف "استرابون" مدينة "قفط" الواقعة جنوب مدينة "قنا" في صعيد مصر بأنها مدينة واقعة تحت حكم العرب وبأن نصف سكانها من أولئك العرب، هذا التواجد الكثيف للأنباط في مصر والذي تؤكده النقوش النبطية وأدلة المؤرخين الرومان، يؤكد وبشكل قاطع أن العلاقات النبطية الرومانية في عهد الإمبراطور "أغسطس قيصر" كانت علاقات سلام فئ أغلب الأحيان، إلى جانب العثور على فخار عليه نقوش نبطية في منطقة ميناء القصير القديم إلى جانب الفخار الروماني في نفس طبقات الحفر؛ مما يدل على التعاصر في التواجد بهذه المناطق من صحراء مصر الشرقية و،العمل في خدمة التجارة داخل الموانئ المصرية الرومانية، والسماح للأنباط بالعيش في مصر الرومانية وممارسة أنشطتهم المختلفة من تجارة وصناعة وغيرها، هذا بالإضافة إلى السماح لهم بممارسة طقوسهم الدينية وتشييد معابدهم على أرض مصر الرومانية، وأن تكون لهم أملاكهم الخاصة في مصر، بل ومشاركة الأنباط للحاميات الرومانية في الدفاع وحماية الحصون الرومانية وحدود إمبراطوريتهم الشرقية وطرق تجارتهم، ومشاركتهم في حملاتهم الحربية على الدول والشعوب المجاور .

ولقد تعرض الأنباط والمصريين للاضطهاد السياسي بعد عصر أغسطس رغم ما قدموه من خدمة في التجارة الدولية في العالم.


آثار نبطية من مدائن صالح

آثار نبطية من مدائن صالح
 

كلمات البحث
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة