Close ad

أوروبا.. يوميات قارة تائهة

6-12-2022 | 18:02
الأهرام العربي نقلاً عن

إنها تائهة  جدًا، تتخبط بين الماضى والحاضر، لا تفهم  ما الذى ستصادفه في المستقبل.

إنها أوروبا تركض إلى الأمام، لا تتوقف ولا تتأمل، تخشى أن تنظر إلى الخلف، تشعر بالخوف من عودة أشباح ماضيها الملطخ بالدماء، لا تريد أن تكرر التجربة مرة أخرى،  فقد تجد نفسها فى صراع  بيني، أكثر دموية مع توافر الأسلحة الذكية، وما الاختلاف حول المسألة الأوكرانية إلا وجه واحد من عدة وجوه مركبة داخل هذا الصندوق المغلق.

أوروبا تخشى من نسيان ماضيها المندفع إلى عصر احتلال قارات بكاملها، ومحو حضارات وأقوام لشعوب، وتغيير عقائد وثقافات بالرصاص الحي، مرة بدعوى الإعمار ومرات بدعوى التحديث والتنوير للشعوب المتخلفة، وهو الاندفاع الذي جعلها تستحوذ على ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وتستحوذ على ثروات الشعوب بالكامل، وتغير من مساراتها الإنسانية والاجتماعية والعقائدية بالقوة والعنف.

والخوف الأول، أي عودة شبح الصراع الدموى على أراضي القارة العجوز، يجعلها تفكر فى حل خارج هذه الأراضي، تفرغ  فيه طاقتها العنيفة في أماكن بعيدة، وهي لا تعدم الذرائع، وقد عودتنا طوال خمسة قرون على وجود الذرائع التي تبدو منطقية.

إنها تريد طمس ماضيها، باعتباره سجلا ميتا للتاريخ، لكنها لا تريد أن تنسى أنها قارة التنوير، وأن عودتها إلى اندفاعة إمبريالية جديدة حتمية.

هذه الإرادة الجينية تجعلها في حالة خروج مستمر عن أطوار النظام الدولى في عصره الأممي، وعن مواثيق أممية، كانت هي شريكة فى صياغتها، وهى شركة كانت بمثابة اعتذار وندم على دورها المباشر فى اشتعال حروب، ما كانت لتشتعل لولا جينات موروثة من عصر روما العظمى.

إن أوروبا على رغم المياه الكثيرة التى جرت تحت جسر النظام الدولى، تتخذ من نفسها موقع «أستاذ العالم»، فى وقت رسب فيه  هذا الأستاذ رسوبًا مدويًا، ولم يجد إجابة فى امتحان المسألة الأوكرانية، ويبدو أن هذا الرسوب المدوى هو الذى يجعل أوروبا تبحث عن حل فى الدفاتر القديمة، فنراها تجلس فى مقعد الأستاذ برغم أنها يمكن أن تكون شريكة متساوية مع حضارات البحر الأبيض المتوسط.

موقع الأستاذ الدائم غير صالح لهذا الوقت، فالشعوب فطمت نفسها، ولا يمكن أن تعود عجلة الزمن، لكنها لا تزال تفكر بطريقة قديمة جدا، زمن أن جعلت من مثقفيها وسياسييها القوميين عالميين، بوصفها قارة المركز الإنسانى الوحيد، فنشطت حركة الترجمة والاستشراق، وكتابة تاريخ العالم على ما يخدم مصالحها، وعمدت إلى عولمة الأفكار والفلسفات والسياسات الأوروبية، بوصفها قمة الهرم العالمى، مع استبعاد أى ثقافات أو أفكار أخرى، وعلى مدى خمسة قرون وجد العالم نفسه يلهج بذكر أسماء الفلاسفة الأوروبيين وحدهم، وقد وصل الأمر إلى وصم أى فكر غير أوروبى بالتخلف!

فى ركضها إلى الأمام تخشى أوروبا أن تستعاد الصورة التى كانت عليها بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، وبعد دخولها حقبة الظلام  فى القرون الوسطى، ومن نافلة القول إنه لا توجد أى أمة مسئولة عن حروب أوروبا الدينية الرهيبة.

مثلا حرب الثلاثين عاما 1618 1648، أهلكت ملايين الناس بسبب اختلافات مذهبية وعرقية واهية، ولما وضعت الحرب أوزارها بتوقيع معاهدة وستفاليا 1648 فى بروسيا، ألمانيا اليوم، نشأت القوميات.

كان يمكن أن تتخلص الدولة القومية من ظلام القرون الوسطى، وتتعظ، وتتعلم من دروس الموت، لكنها لم تفعل أو تفكر، بل تحولت  القومية إلى ما يشبه معتقدا قوميا جديدا، كالنازية والفاشية، خاضت  الحروب  ضد بعضها بعضا، سرعان ما تحولت إلى عالمية بسبب تمدد عصر الاستعمار، فى أراض ليست لهم، فوجدت الشعوب غير الأوروبية نفسها متورطة فى حروب مستمرة، لا تزال ظلالها فيما يسمى الربيع والثورات الملونة، وحروب الغاز والطاقة.

إنه تفكير أوروبى عتيق، لا جديد فيه، ويبدو أن التكرار لا يعلم الشطار، وأخشى أن تجد القارة العجوز نفسها  بين مطرقة الأمريكيين وسندان الروس، ولا تصل إلى مناطق رخوة تعتقد أنها فى متناول يدها، وإذا كان لى من نصيحة فهى أنها تعود إلى الرشد الحضارى، وتتشارك مع حضارات البحر المتوسط القديمة، فلا سبيل إلى طمس أو محو أو احتلال هذه الحضارات مرة أخرى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
رسالة من العالم الآخر

وجدت نفسها وابنتها الصغيرة أسيرة لدى الفصائل الفلسطينية فى السابع من أكتوبر 2023، سمعت كثيرا عن وحشية الفلسطينيين أبناء الظلام فى أدبيات المتطرفين الإسرائيليين

اليوم التالي لنهاية «المحرقة»

الرواية مكتوبة، والسيناريوهات جاهزة، ومسارح العمليات مكشوفة، وشخصيات الممثلين واقعية، والمخرج معلوم. مؤلف الرواية يتخلى عن الغموض أخيرا، يحطم النظام الدولى

الأكثر قراءة