Close ad
5-12-2022 | 19:47

عبر تاريخها الطويل الممتد لنحو ١٦٠ عامًا، تتسم العلاقات المصرية - اليابانية بخاصية متميزة، هي أنها قامت وتأسست وتوثقت على ركيزة العلم وتبادل الخبرات، منذ بواكير الاتصالات بين البلدين عام ١٨٦٢، حينما زار وفد رسمي ياباني القاهرة، ضمن جولة خارجية، للتعرف على تجربة "محمد علي" الرائدة حينئذ في الإدارة.
 
أيضًا تميزت هذه العلاقات بأن المبدأ النفعي المتعارف عليه بين الدول والمقبول من جهتها لا يشغل حيزًا كبيرًا فيها، ويتقدم عليه بمساحات فارقة رغبة صادقة ومتبادلة للتعاون من أجل البناء والتنمية المستدامة للطرفين، وأن تعم فوائد تقارب القاهرة وطوكيو على أطراف أخرى تحتاج للأخذ بيدها، لكي تحقق أهدافها التنموية؛ سواء في القارة الإفريقية، أو خارجها.
 
هذا الوضع الأقرب للمثالي في العلاقات الدولية جعل مصر واليابان تتفاهمان مع بعضهما البعض بلغة مشتركة مفهومة وسلسة، ولا يلزمها ترجمة فورية ولا لاحقة، وهي التنمية المجردة غير المقترنة ولا المشروطة بأغراض ومقاصد سياسية محضة، مثلما تفعل بعض القوى الكبرى التي تضع شروطًا مجحفة لمنح المساعدات والقروض، منها اقتفاء أثر مواقفها وتقديراتها حيال الأزمات والمشكلات الناشبة على الساحة العالمية، غير عابئة ولا مكترثة بمصالح وحسابات الطرف الآخر، وتبلغ من الفجاجة - بل الوقاحة أحيانًا - برفعها لافتة تخزق عين الناظر مكتوبًا عليها: "لا بديل ثالث أمامكم.. إما معي أو ضدي"، وتصبح العلاقة ليس بين ندين، لكن بين تابع ومتبوع.
 
وما أسهم أكثر في تعميق وتوسيع التفاهم المصري - الياباني أنه غير محكوم "برواسب الماضي"، فاليابان صفحتها ناصعة البياض فيما يخص التاريخ الاستعماري بالشرق الأوسط والوطن العربي، إذ لم تكن يومًا من الساعين لاحتلال أي من دول المنطقة، وقدمت نموذجًا محترمًا ومقدرًا لتعزيز الجهود الرامية لإحلال السلام والوئام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشكل خاص، وكذلك في بقية بؤر التوتر على خريطة العالم، واستفادت من تجربتها الذاتية في الحرب العالمية الثانية وما تلاها، وفضلت أن تكون صوتًا داعيًا ومحفزًا للاستقرار والأمن بدلا من النفخ في أبواق الحرب والدمار.
 
التفصيل السابق لمكونات وأسس الروابط المصرية - اليابانية كان ضروريًا وحتميًا، بغية إضاءة الطريق أمام حديث ما ستكون عليه مستقبلًا، لا سيما وأن العاصمتين احتفلتا أخيرًا بالذكرى الـ ١٠٠ لتدشين علاقاتهما الدبلوماسية، عندما اعترفت اليابان باستقلال مصر عام ١٩٢٢، وما من شك في أن البلدين يرغبان ليس فقط بتعزيزها في المجالات والقطاعات المتنوعة، خصوصًا الاقتصادية والاستثمارية منها، وإنما، وهذا هو الأهم، في تطويرها وتحديثها بما يلبي تطلعاتهما وتصوراتهما تجاهها خلال السنوات القادمة، وفي ضوء ما طرأ وسيطرأ من تغيرات وتقلبات دولية تالية لنشوب حروب، أو تفشي أوبئة جديدة لم تتعرض لها البشرية سابقًا، ولا تملك معلومات كاملة عن تكوينها وأبعادها وأخطارها، ويلزمها وقت قد يطول للعثور على لقاحات وعلاج ناجع ودائم لها، وتتسبب في إنهاك وإرباك المنظومة الصحية العالمية، وتعجيزها في بعض الأحيان.
 
وبحكم متابعتي عن قرب لملف مصر واليابان، منذ عقد التسعينيات من القرن العشرين، فلدي اقتراح وجيز يخص الجوانب التي يجب التركيز عليها، ومنحها أولوية قصوى إلى جوار التجارة والاستثمارات المباشرة، عند التخطيط لشكل علاقاتهما المستقبلية، وفي تقديري المتواضع أنها تسبقهما في الأهمية والفائدة.
 
أول هذه الجوانب يتعلق بالتعليم وروافده، وسيبادر بعضنا بالقول إننا عمليًا بدأنا من مدة بتجريب نمط المدارس اليابانية بالقاهرة ومحافظات أخرى، وهو أمر حسن ولا خلاف حوله، لكنني معني بالمفهوم الكلي للتعليم وليس جزئيات منه، ففي اليابان هناك إستراتيجية تعليمية ذات ملامح واضحة ومدروسة وليست ارتجالية، ولا وليدة الأهواء وما يطلبه أولياء الأمور، وجروبات "الماميز" على الواتس آب، وتقوم على بناء شخصية رشيدة موزونة يُعتمد عليها بالمجتمع، وليست اتكالية تنتظر مَن يساعدها ويمد إليها يده، لينتشلها من تخبطها وارتباكها.
 
وبالنظام التعليمي الياباني ميزة عظمى ربما تحل إشكالية مزمنة عندنا، هي نسب التسرب من التعليم، خاصة بالمرحلة الثانوية، حيث تعد اليابان من بين أقل الدول في معدلات التسرب بالتعليم الثانوي، وتصل إلى ١،٧٪، بينما يبلغ متوسطها بالولايات المتحدة ٤،٧٪.
 
الجانب الثاني: أساليب وتقنيات الرعاية الصحية، ونظام التأمين الصحي الذي يُعد من بين الأفضل في عالمنا، وتغطي مظلته تقريبًا الشعب الياباني عن بكرة أبيه وبمختلف فئاته وأطيافه بأغنيائه وفقرائه، ويدفع المواطن اشتراكًا شهريًا لا يثقل موازنته، ويعتبره بندًا أساسيًا بمصاريفه والتزاماته المادية، وفي المقابل تقدم له رعاية طبية على أعلى مستوى يمكننا تصوره عند احتياجه إليها، فالجميع يولي وجهه ناحية المستشفيات الحكومية وليس الخاصة، لأنها تكفيه وتزيد.
 
الجانب الثالث: نظام الإدارة المحلية والخدمات المقدمة للمواطنين على مختلف الأصعدة الحياتية، ففي محافظات اليابان الـ ٤٨ تقدم الخدمات نفسها دون زيادة أو نقصان، ومن ثم لا يضطر المواطن للسفر للعاصمة، أو محافظة مجاورة بحثًا عن خدمة ما، وبناء عليه لا توجد ظاهرة الهجرة الداخلية، للتنقيب عن فرصة عمل، أو خدمة حكومية ما، أو رعاية صحية... إلخ.
 
الجانب الرابع والأخير: الشباب ودورهم السياسي والاجتماعي، وتعظيم الاستفادة من طاقاتهم، وتحويلهم إلى قوة ناعمة تجعل من اسم اليابان حاضرًا باستمرار في المحافل الثقافية والفنية والغنائية والسينمائية إقليميًا ودوليًا، ومن المحبذ تدعيم الأواصر بين شباب البلدين، لا سيما وأننا نهتم بهم وبإشراكهم في المسئولية، وإعلاء شأنهم، وتدريبهم على مهارات وفنون القيادة بالمناصب من أدناها إلى أعلاها.

كلمات البحث
الوحش الأفغاني

بين جبال أفغانستان الشاهقة يختبئ مقاتلو تنظيم داعش خراسان الذى أعلن مسئوليته الشهر الماضي عن العملية الإرهابية التي استهدفت مركزًا للتسويق قرب العاصمة