Close ad

مونديال آخر في قطر..

5-12-2022 | 13:59

يحمل مونديال كأس العالم في قطر 2022 الحالي، كل يوم مفاجآت من كل نوع ومستوى، منها ماهو داخل الملاعب، شأن كل المسابقات، ومنها ما هو خارجها في المدرجات والشارع وأماكن التجمعات ووسائل الاتصال بكل أشكالها.
 
لا نتحدث عن مفاجآت كرة القدم، وهي بلا حصر، ولديها خبراؤها ومريدوها، ولكن نتحدث عن مونديال آخر موازٍ للمونديال الكروي سادت فيه السلوكيات والأخلاقيات لتقفز وتكاد تتراجع معها نتائج المباريات وما يفعله نجوم الكرة، والمونديال الموازي هو مونديال بطله جمهور المشجعين، سواء من قطر والدول العربية والأجنبية، وهم الذين جاءوا إلى قطر لمشاهدة المباريات، إلا أن ما حدث وتفاعلت معه الجماهير فاق كل التقديرات والتوقعات في الدولة المضيفة للمونديال وخارجها.
 
فقد احتلت قضيتا التطبيع مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والمثليين، موقع الصدارة للأخبار والأحداث الرياضية، بل والسياسية والمجتمعية، وقفزت من مضمار الملعب إلى آفاق الكوكب، وكأنها باتت عنوانًا لمونديال 2022.
 
في مسألة التطبيع، كانت أحلام وتطلعات فرق الميديا والإعلام الصهيوني عالية، تدفعها نجاحات حققتها خلال العامين الماضيين، بعد أن تحقق لهم أكثر مما كانوا يحلمون به، خلال عام واحد، 2020، أقاموا علاقات مع 4 دول عربية، ليصبح عدد الدول العربية التي تقيم علاقات معها، 6 دول عربية، ولذلك كانت التوقعات مع انطلاق المونديال في الدوحة، أن تتسع آفاق التطبيع بين العرب وإسرائيل عبر الرياضة وتلاقي الجماهير، ولكن ما حدث كان صدمة أعادت هؤلاء الصهاينة إلى المربع صفر، وخسفت بهم إلى الوراء لزمن يتجاوز تاريخه السبعين عامًا عند احتلالهم لدولة فلسطين.
 
فقد اكتظت وسائل الإعلام الرقمي والتواصل الاجتماعي مشاهد ومواقف جسدت الرفض الشعبي لكل من يحمل اسم المحتل، وما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مدى رفض المجتمع العربي للصهاينة، كان معبرًا، فقد كتبت: "في مونديال قطر أدركنا كم هو حجم الكراهية لإسرائيل"..
 
وقالت الصحيفة العبرية، إنه المونديال هو حدث ضخم، لكنّ حجم العداء أوصل مراسلينا لاستنتاج: ليس فقط في الحكومات أو بين الحكام، كراهية "إسرائيل" في الشارع بين الكثير من الناس.
 
ونقلت عن الصحفيين الإسرائيليين الذين سافروا لقطر لتغطية المونديال والاحتفاء الشعبي به بالقول: "بعد عشرة أيام في قطر نشعر أننا مكروهون وغير مرغوبين هنا". ووِفق الصحفيين الإسرائيليين الذين أجروا مقابلة مع مواطن قطري بعد أن عرف هويتهم فقال: "أردت أن أقول لكم أهلًا وسهلًا، ولكن لكم أنتم لا أهلًا ولا سهلًا، انصرفوا من هنا بأسرع وقت ممكن". الصحفيون الإسرائيليون أشاروا إلى أنه في الشارع بقطر يُلاحقهم الفلسطينيون والإيرانيون والقطريون والأردنيون والمغاربة والسوريون والمصريون بنظرات مليئة بالكراهية".
 
أعاد مونديال الجماهير إلى الأمة وعيها ووجدانها وارتفع اسم فلسطين مجددًا في أرجاء المباريات، "بالروح بالدم نفديك يا فلسطين"، ما زالت الروح في الشعوب، بعد أن ظن الصهاينة أنهم قادرون على تدمير وإنهاك الشعوب العربية وغيرها المؤيدة للقضية، ما زال لديهم الروح ومازال لديهم الدم، ويحدث ذلك متزامنا مع اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهو 29 من نوفمبر، اعتمدته الأمم المتحدة عام 1977 للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أثناء فعاليات مونديال كأس العالم الحالي.
 
لا شك في أن الرياضة تتعافى كلما ابتعدت عن السياسة، لكنها هنا في مونديال قطر، كانت كاشفة عن بؤس التطبيع مع الكيان المحتل، فهو كالبناء على الرمال.
 
أما مسألة المثليين، أو "مجتمع الميم" التي أثيرت خلال المونديال، فهي لا تبتعد كثيرًا عن القضية الأولى "التطبيع"، ونعلم أن في خلفيتها الصراع الصامت بين قيم الأسرة السوية والمرتبطة بالعقيدة الدينية في العالم العربي والإسلامي، ونقيضها في معظم دول الغرب وفي الكيان الصهيوني، والمتحررة من القيود والقيم الدينية والأخلاقية.
 
وكما تتحرك الكرة أسرع من توقعات المشاهدين، فإن الديموغرافيا تتحرك أسرع من السياسة، وهو ما تدركه جيدًا مؤسسات الفكر الصهيوني الغربي، فقد تضاعف عدد الفلسطينيين، بعد نحو 70 عامًا على بداية الاحتلال، أكثر من 9 أضعاف، حيث بلغ عددهم في العالم، نهاية عام 2017، حوالي 13 مليون نسمة.
 
في عاصمة الكيان الصهيوني، لا يشعر المثليون بالقلق أو الإزعاج فهم في واحة تتوافق مع سلوكياتهم، وتوفر لهم سبل التعبير عن أنفسهم، بعد وضع العديد من النظم والقوانين لحمايتهم هناك، ويضع هؤلاء "أعلام قزح" على مقار إقامتهم، يتساوون سواء في الالتحاق بالجيش، أو الدخول للبرلمان "الكنيست"، تساندهم مايعرف بـ"وزارة المساواة الاجتماعية"، وترصد لهم الأموال، باعتبارها قبلة الحريات في الشرق الأوسط، فضلا عن إخفاء جرائمها المتواصلة.
 
لقد حسمت كلمات المولي عز وجل هذا الأمر: "وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَومِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِيْنَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُّسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون" (الأعراف: 80-82).
 
التفاعلات المجتمعية بين البشر خلال المونديال لا حصر لها، فلم يتوقع أحد أن ما يصدر من تلقائية وسلوكيات الفطرة البشرية بإمكانها أن تحدث كل تلك التفاعلات لتتجاوز كل حسابات وتوقعات المفسدين، ولعلها عدالة السماء التي أرادها الله "سبحانه" لعباده.
 
[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة