Close ad

كوميديا الصراع الإخواني

4-12-2022 | 14:32

دائمًا ما تؤكد دورات الزمان خصائص الأفراد والجماعات والأحداث والأشياء كاشفة عن الطبائع والغايات في سموها وانحدارها وكاشفة أيضًا عن أن مسار هذه الطبائع والغايات دائمًا ما يظل ثابتًا، رغم موجات التغير المتلاحقة التي تقتحم العالم المعاصر، فالبعض يأخذ بحتمية التكيف مع هذه التغيرات سعيًا نحو إحراز موقفٍ جديدٍ يطمح به دخول دوائر التألق السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لكن البعض الآخر يصر على التشدق بالجمود والرؤية الانغلاقية معتمدًا أن له غايات مثلى من غير الجائز تغييرها أو استبدالها بغايات أقل أو حتى غايات أسمى!!
 
ولعل أصدق نموذج لذلك هم الجماعة الإخوانية المنشقة على ذاتها، فها هم وبعد شوط تاريخي عاصف قد تقوقعت أهدافهم حول إمكانية انتزاع السلطة بين فصائلهم، فكل منهم يريد أن يعلو بمرشده معلنًا انتصار الجماعة على الجماعة؛ لكن لا غرابة لأن أيا ما تكن النتائج فمفردات النهج الأيديولوجي المتوافق عليها لديهم تنطلق من مبادئ لا يعنيهم فيها ولاء ولا انتماء، ولا تردعهم فكرة الوطن ولا تزجرهم نوازع الضمير الأخلاقي ولا تردهم قدسية الأديان، إذ تخدعهم الظنون بإحكام قبضتهم على العقول متوشحين بذلك الغطاء الديني كحيلة يمكن أن تنطلي على العقل الجمعي، لكن تجمعهم أيديولوجية التآمر والشغف بالسلطة وتتوحد هواجسهم حول الوصايا الدينية وكيفية توظيف آلية العنف تجاه كل من ليس منهم، بل تجاه كل من منهم أحيانًا.
 
فبعد أن تفرقت بهم السبل وتصدعت وحدتهم وكتب عليهم الشتات في الأرض وأصبح بأسهم بينهم شديدًا، تحاول كل جبهة أن تنتصر لذاتها على حساب الجبهة الأخرى وتتصاعد وتيرة الخلاف بينهما ليس على قيمة أو معنى أو مبدأ أو نظرية أو عقيدة أو طابع فكري، وإنما على أسبقية من تكون له اليد الطولى ليثبت مرشده ويطيح بمرشد الجبهة الأخرى!!
 
وتلك أبرز نذر النهاية التي يسجلها الوعي الإخواني بإرادة مطلقة؛ لأنها تنبثق من ذلك العشق الجنوني للسلطة أيا ما يكن طابعها ووضعيتها ومدى صلاحيتها وعمق الرضى عنها.
 
لكن السؤال: هل تستشعر الجبهات الإخوانية على اختلافها مدى المعارضة والرفض لوجودها ككيان سياسي أو ديني من قبل الجماهير العريضة؟ وكيف لهذه الجماهير أن تتغافل أو تنسى للجماعة ممارساتها الدموية التي يبرأ منها التاريخ المعاصر؟ وكيف لتلك الجماعات أن تظن أنها من ذات النسيج الجماهيري وقد عادت هذه الجماهير وتصدت لها لا لشيء إلا أنها قد رفضت الإذعان لطقوس الجماعة؟

وما هو الفارق النوعي بين أن تكون قيادة التنظيم الإخواني من جبهة أو من جبهة أخرى وكلاهما يحمل ذات التوجهات السلبية بالنسبة للقاعدة الجماهيرية؟ ألا تستشعر هذه الجماعات بعمق وجسامة الإخفاق التاريخي في تلك التجربة التي أنتجت من المآسي السياسية والاجتماعية والاقتصادية ما يحتاج إصلاحه لعقود طوال؟ وإذا كانت الذات الإخوانية لم تستطع تطويق الخلافات بين فصائلها وخلاياها فكيف يكون الوفاق مع القاعدة الجماهيرية وهي تعتبرها قاعدة ضدية مارقة.
 
إن الجماعات التي لا تتبنى مشروعًا إصلاحيًا ينبذ لغة الصراع والتعصب والتطرف والعنف ويستمسك بمنظومة مفاهيمية متحضرة ترتكز على قيم التسامح والتعايش والتواصل والتعاون والحوار لا ينبغي أن تمنح لنفسها حق الوجود الفاعل؛ لأنها بالضرورة تعادي الفطرة الإنسانية.. وتلك أبشع درجات الحماقة التي تستعصي على التقويم والاعتدالية!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الفرعونية.. حضارة المستقبل

يتداعى الخيال ونسقط بلا حراك تحت أقدام الحضارة المصرية ... قالها شامبليون، بل إنه قبل أن يوجز هذه الألفاظ كان المعنى ثابتاً مترسخاً فى أفق الزمان.

د. محمد حسين أبو العلا يكتب: ذاكرة الجحيم الحضاري.. تساؤلات اللحظة

إن البشرية التي نامت في حصة التاريخ لن تغير طباعها ... هكذا تتسلل كلمات وول ديورانت عابرة آفاق الزمن، لكنها لم تأخذ مسارها في الوعي الإنساني العام متحدية

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: من صعدوا للشمس ومن غاصوا في جوف الأرض!!

سنوات ضوئية تفصل بين أحوال البشر على الأرض، وأكثر من ذلك ما يفصل بين طبائع العقول في مراميها وغاياتها، فهناك عقول تحلق وأخرى تهوي، عقول لها بريق أخاذ وأخرى مطموسة

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: الديمقراطية الحائرة بين أمريكا والصين

لا تزال الديمقراطية الغربية هي الأيقونة السحرية التي يفاخرون بها باعتبارها النموذج الأمثل لأركان الحياة السياسية والاجتماعية للشعوب كافة، ويحكي التاريخ كم كانت هذه الديمقراطية أداة صراع ومراوغة

الأكثر قراءة