Close ad

البحث عن الكمال.. نور يضيء أم نار تحرق؟

3-12-2022 | 11:35

البحث عن الكمال سلاح ذو حدين؛ فيصبح نورًا يضيء حياة من يختاره أو نارًا تحرق – لا قدر الله- من يسيء اختياره.. كلنا ينقصنا كثير أو قليل لنكون أفضل دينيًا ودنيويًا فلماذا نقبل بالقليل ونستطيع تحقيق الأحسن
فننتبه أكثر انتباهًا لعيوبنا لتقليصها -ما استطعنا- ولنقترب من الكمال..

"لا أحد كامل"؛  كلمة حق يصنع بها الكثيرون من الجنسين ومن كل الأعمار تراجعاتهم بالحياة "وهزائمهم" أيضا..
نرفض تناول طعامًا لا يعجبنا ونسعى لطعام نحبه "ونحب" أن نكون بأحسن حال أمام أنفسنا قبل أن نكون أمام الآخرين، وليرضى الرحمن عنا؛ "فالمؤمن القوي خير وأحب"؛ ومن القوة التغلب على النقائص والسعي بجدية "ومثابرة" نحو  الكمال. 

تجاهل السعي للكمال خطأ شائع "يزينه" البعض بوهم الواقعية؛ والمؤكد أننا إن لم نزد سننقص فلن يبقى أحد على حاله؛ فإما إلى الأمام أو سنتراجع للخلف ولا وجود لأكذوبة محلك سر، ونتفق مع القول الرائع للمتنبي: 
ولم أر في عيوب الناس شيئًا كنقص القادرين على التمام..

السعي للكمال لا يعني عدم ارتكاب الأخطاء فهذا غير واقعي ولكن يعني عدم تبريرها ورفض التمادي بها وتكرارها، وهو ميزة رائعة عندما يدفعنا "لتحسين" كل جوانب حياتنا ولتحفيز من نحب بلطف وبود "وباحترام"؛ ليتحسنوا لأنهم يستحقون وبكامل إرادتهم وليس لأننا نطاردهم بالكلمات الموجعة والملاحظات القاسية "ونخنقهم" بالتعليمات المتواصلة بإلحاح فيضيقوا بنا وعندما يروننا "يتوقعون" الانتقادات أو الحساب القاسي؛ فيبادرون بإظهار الضيق "لردعنا" عن مضايقتهم..
السعي للكمال "ينهكنا" عندما نجبر أنفسنا على ما يفوق طاقاتنا فيؤخر ويعرقل خطواتنا بالحياة بأكثر مما نتخيل؛ فالإنهاك يقلل التركيز ويضعف الإنجازات ويزيد من الوقت اللازم لأدائها، وتأتي النتائج ضعيفة فنحس بالإحباط وخيبة الأمل وقد نزرع الإحساس بقلة الثقة بالنفس داخل عقولنا وقلوبنا، مع أن كل ما نحتاجه التريث والحصول على استراحة محارب نستحقها، والفوز بقدر جيد من الترفيه، والتوقف عن رؤية الحياة "وكأنها" سباق متواصل مع النفس لتحقيق إنجازات متواصلة..
 
ولنتذكر القصة المعروفة عن فارس حقق انتصارًا؛ فقال له الملك: سر بحصانك وكل ما ستصل إليه فسيكون ملكًا لك، فواصل الفارس السير بلا راحة حتى وقع ميتًا ولم يهنأ بشيء. 

يحرق السعي للكمال صاحبه نفسيًا عندما "يجلد" نفسه طوال الوقت ويركز على ما قصر في أدائه ولو كان قليلًا جدًا، "ويتناسى" ما حققه ولو كان رائعًا ومتميزًا والأسوأ أن يراه عاديًا ولا يستحق الاحتفال ومكافأة النفس بعد شكر الرحمن بالطبع.

يؤذي الساعي للكمال نفسه كثيرًا بعدم الفرح بإنجازه؛ وكأنه "عبد" لا يجب أن يشكره أحد ويحاسب نفسه "بقسوة"؛ وكأنه عبد لا يحق له الراحة النفسية والجسدية فيصاب بالأرق وبالأمراض النفس جسدية كالقولون العصبي واضطرابات المعدة وغيرها، ويجهد  نفسه بالتوقعات العالية الزائدة من النفس ومن الآخرين؛ فلا يرضى عن نفسه أبدًا ويؤنبها بكلمات قاسية والرضى الإيجابي عن النفس "نور" جميل يجب ألا يحرم أحد نفسه منه أبدًا. 

ولا يرضى عمن يشاركونه الحياة وحتى إن لم ينتقدهم فنظراته ونبرات صوته "تخبرهم" أنه غاضب منهم ويلومهم، ويفسد علاقاته بهم فلا أحد يحب أن يرى هذه النظرات كثيرا فضلًا عن الاستماع للاتهامات بالتقصير، وبالعين التي "ترفض" رؤية مميزاته وتركز دائمًا على سلبياته ولا أحد يخلو من الاثنين. 

نتساءل هل السعي للكمال "اختيار" لزيادة الرضى عن النفس؟ أم وسيلة للفوز بإعجاب الآخرين؟ أم تلبية لتوقعات الناس منا لسابق تفوقنا وإرضائنا لهم؟ ويجب أن ينبع  "فقط" من رغبتنا لإرضاء الرحمن ثم لنعيش بأحسن ما يمكننا وليس للفوز بإعجاب الناس؛ فالأول يفيدنا والثاني يضرنا ويجعلنا "أسرى" باختيارنا للآخرين.
لا يحتاج أحد لإثبات أنه رائع ولا يخطئ ويفعل كل شيء بمثالية لا لنفسه ولا لأحد فهذا تحميل "ظالم؟ للنفس فوق طاقتها وانتحار ببطء. 

يفشل البعض من التخفف من إجهاد النفس سعيًا للأفضل "لخوفه" من الفشل وصناعة للخسائر؛ فيتأرجح بين الرغبة في حماية النفس من المبالغة بالكمال "والرعب" من اعتياد الأقل؛ وعليه اختيار الاعتدال ولا يتراجع..

يهزم نفسه من يريد كل شيء في حياته مثاليًا بلا خطأ ولا ينفذ منها أي ثغرة أو إمكانية لخطأ سواء منه أو مع من يشاركونه بالحياة في الأسرة وأحيانا في العمل، والأسوأ عندما يحب الضغط الزائد على النفس ولا يتخيل حياته بدونه أو لا يسامح نفسه عندما "يفكر" في الاعتدال والتوقف عن المثالية الزائدة..

الحل يتلخص في الانتباه للنفس وتذكر أنه حتى الآلة تحصل على الراحة حتى لا تصاب بعطل أو للدمار مع التشغيل "المتواصل"؛ فما بالنا بإنسان ينفعل ويهتم بأمره وبأمور من يحبهم ويهتم بتحقيق إنجازات تنير عمره وأعمارهم؛ فكيف لا "يسمح" لنفسه الراحة؟ وأن يتذكر أن الخطأ جزء من الحياة ولا أحد منا لا يخطئ ولن يكون، والفرح بما ننجزه مطلوب نفسيًا ودينيًا أيضًا؛ فهو نعمة من الرحمن والفرح بالنعم عبادة وشكر الرحمن عليها عبادة ويزيدها أيضًا، والشكر ليس بالكلام فقط بل بالقلب وبالعقل أيضًا "وباستراحة محارب"؛ لتجديد الطاقات وهي مطلوبة يوميًا ولو بإغماض العينين لبعض الوقت والاسترخاء جسديًا وخاصة عضلات الوجه والكتفين والرقبة فهم من أماكن التوتر والابتسام وترديد الحمد لله بالقلب وسنشعر بتحسن وبسلام نفسي نستحقه أليس كذلك؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: