Close ad

أمريكا.. ومافيا السلاح (2-2)

3-12-2022 | 08:50

الحرية عندما تغدو لعنة
لا أحد ينكر أن أمريكا بلاد الحرية وهذا شعار تمثالها الشهير.. غير أن أمريكا نفسها تأتى عليها لحظات تلعن اليوم الذى قررت فيه ترك الحبل على الغارب، وأنه لا توجد حرية مطلقة، بل لابد من تقييدها بقانون ذاتى لا بقانون وضعى.

 ربما تندهش إذا علمت أن التعديل الثاني للدستور في سنة 1791 (Second Amendment) ينص على أنّه «لا يجوز انتهاك الميليشيا المنظمة جيدًا، كونها ضرورية لأمن دولة حرة، ولا يجوز انتهاك حق الناس في الاحتفاظ بالأسلحة وحملها»! ولاحظ أنه قانون دستورى لا يجوز خرقه! إن القانون لا يحمى فقط حق الأفراد فى الدفاع عن النفس بالسلاح النارى وإنما حق الجماعات المسلحة فى هذا! أمر عجيب. لقد نشرت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية في 2003 تقريرًا عن فعالية إستراتيجيات الوقاية من العنف باستخدام الأسلحة النارية؛ والذي خلص إلى أن «الأدلة لم تكن كافية لتحديد فعالية قانون حرية السلاح». توصّل مسح مشابه لبحوث الأسلحة النارية من الأكاديمية الوطنية للعلوم إلى استنتاجات متطابقة تقريبًا في عام 2004. ونشط البعض لمعارضة دستورية هذا القانون فنشأ ما يسمى الاتحاد القومى لحظر الأسلحة ودعم قانون تعديلات تحسين النظام الوطني للتحقق الفوري من الخلفية الجنائية لعام 2007 (المعروف أيضًا باسم قانون تحسين إنفاذ القانون وسلامة المدارس)، والذي عزز متطلبات فحوصات الخلفية لمشتريات الأسلحة النارية. غير أن جماعات حقوق السلاح الوطنى وهى الأقوى عارضت مثل هذا القانون الناشئ على استحياء وأطلقت عليه اسم «قانون نزع سلاح المحاربين القدامى»!!
 
ما أثار رعب البعض من صناع القرار فى أمريكا هو أن هذا الهوس والولع عند أكثر الأمريكيين تسبب فى أن يصبح الطفل الأمريكي ضحية له فى كثير من الأحيان.. إذ تبيّن أن الموت بطلق ناري طال أكثر من 4300 مواطن أمريكي تحت سنّ الـ 19، وبذلك أصبح الموت بالسلاح في المرتبة الأولى لقتل الأطفال والمراهقين، مقارنةً بحوالي 3900 يموتون سنويّاً بحوادث السير (المرتبة الثانية)، بينما عدد الأطفال والمراهقين الذين يموتون بسبب السرطان هو حوالي 1800 سنويّاً!!
 
البندقية لها نفوذ
 اللافت للانتباه أنّ القانون الأمريكي يسمح لمن هم في عمر الـ 18، 19، و20 سنة بشراء المسدّسات والبندقيّات العاديّة، بينما يمنعهم من شراء الكحول والدخّان (يجب أن يكونوا 21 وما فوق)، وهو أمر غريب وعجيب.

سماح الدستور الأمريكي باقتناء وحمل السلاح له أبعاد سيكولوجيّة ودينيّة واجتماعية.. ففي البعد السيكولوجي، يقع في المرتبة الأولى الخوف الذي تغذّيه العنصريّة. فعلى سبيل المثال: 67% من الذين يشترون السلاح يقولون إنه للحماية الشخصيّة وأنّهم يخافون من العنف والجريمة ولا يشعرون بالأمان. هذا ليس بالضرورة نتيجة واقع موجود بقدر ما هو نتيجة لما يشاهدون من عنف في الشاشات الصغيرة والكبيرة.

من هنا نكتشف أنّ كثيراً من البيض يقولون إنّهم يقتنون السلاح خوفاً من السود والمهاجرين، أو أنّهم يحملونه من أجل مواجهة الهجمات الإرهابيّة. وهناك عنصريّة معاكسة لكثير من السود الذين يقتنون السلاح خوفاً من البيض أو من رجال الشرطة أو لاعتقادهم أنّ رجال الشرطة يعجزون أو يرفضون حمايتهم من البيض.
ثم هناك البعد الاجتماعي ويعكسه النفوذ الهائل للوبي السلاح ذو التأثير الضخم على صنّاع القرار في واشنطن وفي معظم الولايات عبر الرشاوى التي تدفعها هذه الشركات إلى السياسيّين بطرق شتّى (معظمها يدخل في ما يسمّى بالتبرّعات السياسيّة political contributions، ويشمل ذلك الحزبين الجمهوري والديمقراطي معاً.

إن لشركات السلاح تأثيرها القويّ على عقل أكثريّة ضخمة من الأمريكيّين عبر علاقاتها المتشعّبة وتمويلها أندية الرماية، وجمعيّات الصيد، وجمعيّات أعضاء الشرطة أو الجيش، وأفلام وبرامج العنف التي تزرع الخوف اللاإرادي في رؤوس الناس. كلّ هذه الأمور تجعل من اقتناء السلاح أمراً مقبولاً ومرغوباً، وهو ما تدلّ عليه الإحصاءات لدرجة أنّ معظم من يملك السلاح يعيش في مجموعات ينتشر فيها السلاح بشكل عادي جدّاً وتشجّع عليه كأمر طبيعي.
 

أمريكا التى غزت كل الدنيا بالسلاح هل تدور عليها الدائرة يوماً لتصاب بنفس اللعنة التى أصابت بها العالم؟هل يصاب الأمريكيون بلعنة السلاح وينقلب السحر على الساحر؟

[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة