Close ad
30-11-2022 | 17:47

كمبدأ أصيل راسخ ولا يختلف عليه اثنان، فإنه لا بأس ولا غضاضة مطلقًا من استحضار الماضي والاسترشاد بما فيه من نماذج وتجارب تفيد في مجابهة وترويض هموم وشواغل الحاضر، وتشييد بناية المستقبل على قواعد وأسس صلبة ومتينة تتحمل ما سيشهده من عواصف ورياح عاتية، وتحول دون انهياره.
 
أما أن تستحضر الماضي كوسيلة تؤكد بها أنك ستكون صاحب القول الفصل والحظوة، وستحقق الانتصار المنشود على خصومك، مهما كان حجمهم ووضعهم، فهنا سوف نكون أمام خطأ قاتل يقود للهلاك والخسران المبين، وهذا ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية حاليًا، حيال علاقاتها المتوترة مع الصين منافستها الأكبر والأقوى في المجالات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية، وتتصارعان على النفوذ وقيادة العالم بلا هوادة وبشراسة منقطعة النظير.
 
فأمريكا مستريحة لمواصلتها استخدام إستراتيجيات وتكتيكات الحرب الباردة التي حصدت ثمارها المأمولة بسقوط الاتحاد السوفيتي السابق ومعه الكتلة الشرقية في مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين، ويعتقد صناع القرار في واشنطن أن نتائجها ستتكرر مع فوارق طفيفة مع "التنين الصيني" المتمسك بعقيدته الشيوعية حتى الرمق الأخير، وغير مستعد بتاتًا للتنازل عنها، وأن واشنطن لا تحتاج لإدخال تعديلات كثيرة على هذه الإستراتيجيات العتيقة، التي نفذت وكتب لها النجاح والتفوق في ظروف وأوضاع مغايرة على مختلف الأصعدة عما نحن عليه الآن.

بل إن الأمريكيين يرون أنه لا داعي لبذل مجهود كبير من قبل الإدارة الأمريكية في وضع خطط تقويض الصين، أو العمل على احتوائها، لأن عوامل وعناصر انهيارها المرتقبة، في نظرهم، تكمن بداخلها بالأساس، ويستدعون في هذا المقام أدبيات ودراسات المحلل السياسي الأمريكي "ستروب تالبوت" الذي صرح في عام ١٩٩٠ "بأن النظام السوفيتي انهار بسبب قصور وعيوب في جوهره، وليس بسبب أي شيء فعله العالم الخارجي، أو لم يفعله".
 
ويؤكد الأمريكيون بفخر أن نبوءة "تالبوت" كانت صائبة وفي محلها تمامًا، ثم خلفه في التوجه والتفكير نفسه في الألفية الثالثة "جون مولر" الأستاذ المرموق بجامعة "أوهايو" الأمريكية، الذي يؤمن بأن الصين تسير على خطى الاتحاد السوفيتي السابق، وهو ما فصله في مقال نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية قبل أيام، وخلاصته أنه ليس من الضروري وجود عامل خارجي ليتحقق هدف إسقاط أو إضعاف الصين.
 
ويبدو أن المسئولين عن صناعة القرار في البيت الأبيض وغيره من المؤسسات الأمريكية مقتنعون بحجج وقرائن"مولر"، وينشغلون بالتبشير من طرف خفي بأن العد التنازلي لتراجع الصين قد بدأ، وأنها أقرب لفقاعة تنتظر دبوسًا صغيرًا حتى تنفجر، وتصبح هباءً منثورًا.
 
وتلمس هذا البعد على وجه الدقة من تغطية وسائل الإعلام الأمريكية للمظاهرات التي شهدتها مدن صينية في الآونة الأخيرة، للتعبير عن اعتراضهم واستيائهم البالغ من السياسات الحكومية المشددة، لمواجهة تفشي وباء كورونا في البلاد، إذ إنها ضخمت الحدث بصورة مبالغ فيها، وأوعزت لمتابعيها أننا ربما نكون أمام النسخة الأحدث من حراك وتظاهرات شعوب دول الكتلة الشيوعية على الأنظمة الحاكمة بها واقتلاعها من جذورها بالقوة عبر تحركاتها المكثفة وسيطرتها على الشوارع، وجرأتها في مقاومة قوات الأمن المكلفة بتأمين سلامة المواطن والنظام العام، فمثلا نشر الموقع الإلكتروني لشبكة "سي.إن.إن" الإخبارية الأمريكية تقريرًا مطولًا جاء عنوانه على النحو التالي: "احتجاجات نادرة تطالب بالحرية وتنحي شي جين بينج.. ماذا يحدث في الصين؟".

التزم التقرير السالف خطًا غلبت عليه لغة وعبارات التحريض، والتحامل الواضح على السلطات الصينية التي لم تنكر حدوث المظاهرات، وسعت لاتخاذ قرارات تخفف من وطأة عمليات الإغلاق لحصار الوباء، وظهر مدى تسييسه وعكسه وجهة النظر الرسمية الأمريكية المناهضة لبكين، وهو ما يعيد إلى ذاكرتنا ما قامت به وسائل الإعلام الأمريكية والغربية خلال ما سمي بـ"ثورات الربيع العربي" التي تمخضت عنها فوضى عارمة وتداعٍ للدولة الوطنية في العراق وليبيا وسوريا بمساعدة أمريكا والغرب، وبعدما وقعت الواقعة وانكشف المستور تتباكى الجهتان على الاستقرار المفقود في الشرق الأوسط.

ولكي تدعم أمريكا وإعلامها هذا الجانب، فإنها لا تتوقف عن الإشارة إلى أحاديث وقصص الفساد المتغلغل حتى النخاع في الأوساط الصينية من أعلى هرم السلطة نزولًا إلى المستويات الأدنى، وضربت أمثلة بما وصفته بفضائح "مبادرة الحزام والطريق" وما شاب مشروعاتها من فساد وتقييمات خاطئة، خاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية لهذه المشروعات، ونتج عنه تراجع مكانة ونفوذ بكين دوليًا.
ولإحداث مزيد من التشويه لصورة الصين فإن الإعلام الأمريكي وأقرانه في الغرب يتهمونها بعدم الرشد، والتسرع في استصدار أحكامها ومواقفها إزاء بعض الأزمات الإقليمية والدولية الساخنة، منها رد فعلها الانفعالي الزائد على الحد بعد زيارة رئيسة مجلس النواب السابقة "نانسي بيلوسي"، تايوان، ومساندة بكين لأنظمة متمردة على المجتمع الدولي مثل كوريا الشمالية التي هددت باستخدام أسلحتها النووية ضد الولايات المتحدة وحليفيها في كوريا الجنوبية واليابان، وتزيد بتصرفاتها الهوجاء الاضطرابات والقلاقل في شمال شرق آسيا.

كل ما تقدم يطرح للرأي العام الأمريكي والغربي على أنه من علامات أفول النجم الصيني، ويعفي واشنطن وحلفاءها من عناء التخطيط لإنجاز هذه الغاية، ويستشهدون بمقولة شهيرة لنابليون بونابرت: "لا تقاطع عدوك أبدًا وهو يرتكب خطأ"، ومن الظاهر أن إدارة "جو بايدن" تعتقد وبيقين بهذه المقولة وجدواها، وتستمر في تطبيق سياسة الضرب تحت الحزام التي تفضلها كثيرًا. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الوحش الأفغاني

بين جبال أفغانستان الشاهقة يختبئ مقاتلو تنظيم داعش خراسان الذى أعلن مسئوليته الشهر الماضي عن العملية الإرهابية التي استهدفت مركزًا للتسويق قرب العاصمة