راديو الاهرام

حكايات قبل الموت.. حقيقة "رِجْل المعزة"!‏

29-11-2022 | 15:36
حكايات قبل الموت حقيقة  رِجْل المعزة ‏حقيقة رِجْل المعزة
كتبها: وسام سعيد

7 سنوات هي عمر حياتي الزوجية مع جلال.. 7 سنوات لم أجد منه ما جعلني أندم لحظة واحدة على ارتباطي به، ‏ولم أكابد ذلك الشعور الذي طال جل المتزوجات من جيلي أو من ‏يسبقون جيلي.‏

موضوعات مقترحة

جلال كان نموذجا حرفيا لمعنى السند والظهر والاحتواء، ومن فرط ‏ما كان مثاليًا كنت أكذب على صديقاتي وأدعي عليه ماليس فيه مخافة ‏الحسد، أو أن تكيد لي إحداهن وتحاول الظهور في حياته من خلف ‏ظهري.‏

الآن.. وبقدر الغصة فيما سأرويه لكم من خلال مذكراتي هذه التي ‏أكتبها بدموعي ودمي إلا أنني لا أعرف كيف خرجت من أزمة كهذه، ‏تضعني في اختبار حقيقي أمام أهم وأجمل شيء في حياتي.‏

وعلي أن أصبر وأتجاوز أزمتي بل وأحافظ على البقية الباقية من عقلي ‏حينما يمتحن في ثوابته المنطقية، ويشاهد حقا وصدقا وليس من قبيل ‏الضلالات أو الهذيان ما يصيبه بلوثة عقلية. ‏

والآن إليكم ما حدث لي في تلك الليلة المشئومة:‏

كان البرد قارسا شديدا كعادة الشتاء في مصر يغيب ويتأخر ثم يأتي ‏قاتلا بلا هوادة، وكان المطر غزيراً يعيق السيارات عن السير ويعطل ‏حركة المرور ويصيبها بالشلل التام.‏

فما كان من (جلال) إلا أن قال لي:‏
‏-‏ حبيبتي باقولك إيه.. احنا كده مش هنلحق نجيب حاجة عيد ‏الميلاد كلها النهارده.. ولسه هنروح نوصي ع التورتة.. أصلا ‏عبال ما نخرج من هنا هتكون كل المحلات قفلت.‏
= طب إيه يا جلال.. عايز نعمل إيه؟

-‏ أنا شايف إننا نركن العربية هنا وننزل نتمشى المسافة اللي فاضلة ‏لحد المول.. أهو نخلص من حاجة عيد الميلاد والتورتة ممكن ‏نلحق نوصي عليها بكره الصبح.
= والله فكرة.. بس هنتبهدل في المطر شوية ‏

-‏ مش مهم كل الحكاية كيلو ونص مثلا.. ده المول هناك ‏أهو.. صدقيني لو فضلنا في العربية مش هنخلص حاجة النهارده.

بالفعل قام (جلال) بركن السيارة وقررنا الترجل وصلا إلى المول.‏

كان حديثنا كالعادة ودودا جادا يتخلله الضحك والدعابة، ونحن نسير ‏متشابكي الأيدي على خط جاف لم تطله المياه على الرصيف وكذلك ‏المارة، ولا أدري كيف يرون مسارهم فوق رصيف مظلم وجو مطير ‏كهذا.‏

لم  يقطع مسارنا سوى عارض قدري فاصل قسم حياتي نصفين مغيرا ‏المسارات وقالبا الموازين.‏

ثانية واحدة تغير فيها مصير حياتي، حين أدخلت يدي في حقيبتي بحثا ‏عن الموبايل الذي يرن والتفت فلم أجد (جلال)‏.

تماما كما يحدث في الأفلام والسينما، فصرت أتلفت حولي وأنادي ‏وليس في بالي إلا أنه يمازحني مختبئا في زحام السيارت والناس على ‏الرصيف المظلم.‏

ولم أنتبه لصوت الناس من حولي وهم يصرخون:‏
يا عالم.. يا ناس.. اطلبوا النجدة نخرج الجدع ده م البلاعة!!‏
لقد سقط (جلال) في بالوعة مفتوحة!!!‏

مر الوقت قاتلا لكل أعصابي ومشاعري، وبعد 4 ساعات من الانهيار ‏العصبي والبكاء الهستيري والصراخ حتى ضاع صوتي، كنت لا أفقد ‏الأمل خاصة أنني بعد مرور ساعة واحدة من الأربع ساعات سمعت ‏صوته ينادي ويستغيث، في الظلام دون أن أراه فعمق الحفرة كبير ‏جدا، وحينما قمت بالرد عليه أجابني فزاد لوعة قلبي وضاعف ‏شعوري بالهلع من أن يكون هذا آخر حديث بيني وبين حب عمري، ‏وأن يكون فراقنا بهذه الطريقة المربكة المهينة، اللهم لا اعتراض !!‏

ولكن.. هاهي الحياة ابتسمت لي مجددا، واستجاب الله لدعواتي له ‏بالنجاة، ومع شروق الشمس كانت محاولات الشرطة والإسعاف ‏والنجدة قد أفلحت في التقاطه وإخراجه في حالة إعياء شديدة.‏

كان محطما ينزف من رأسه وقدميه لا يقوى على الكلام واستسلم ‏لإغماءة طويلة بمجرد أن وضعوه على نقالة الإسعاف وأدخلوه ‏السيارة.‏

مر أسبوعان وأنا والعائلتان لا نتوقف عن متابعته والاستبشار بتحسنه ‏وتطور حالته السريع، حتى جاء موعد خروجه، ومعه بداية جديدة ‏لحياة أخرى كتبها الله لي حين أنقذ جلال من الموت، إذ كيف أحيا بدون ‏وجوده، وهل للحياة معنى بدونه؟!‏

كان يوما حافلا مع الأهل والأحباب، يوم عودة زوجي لبيته ناجيا من ‏الموت المحقق، في هذا اليوم اجتهدت أمي وحماتي لعمل كل ما يحبه ‏ويعشقه من طعام.

وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث المرح والدافئ فوق سفرة ‏الطعام، سقطت مني الملعقة فانحنيت لالتقاطها فإذا بي ألمح ما كنا ‏نتندر به في السينما، وقد أكون في غمرة هذيان وهلاوس لكن عيني ‏الآن لا تكذب‏.

لقد شاهدت قدمي زوجي حوافر ماعز تتأرجحان لا تصلان إلى ‏الأرض، فاعتدلت في جلستي وأكملت حديثي واستماعي، وكررت ‏النظر مجددا فإذا بي أجد قدماه طبيعيتين.

فماذا حدث لي؟.. ولماذا تعرضت لهذه الضلالات؟.. هل هذا بدايات ‏فصام عقلي جراء انهياري العصبي وهلعي وقت الحادث؟!‏

لا.. بل هي مجرد هلاوس؟.. لا ضير ولا قلق.. وسأسأل عنها ‏طبيب صديقتي النفسي الذي تتردد على عيادته منذ وفاة طفلها الوحيد ‏غارقا في حمام السباحة.

ربما حملت تلك اللحظات العصيبة نوعا من الأوهام والاختلالات ‏المؤقتة ثم تعود الحياة لطبيعتها.

بعد مرور شهر كامل كنت في غرفة استقبال هذا الطبيب النفسي حين ‏ذهبت مستنجدة به بعد طوفان من الضلالات والأوهام صار يجتاح ‏حياتي ويثيرني بالذعر وينفرني من زوجي.‏

فـ (جلال) ليس جلال في طباعه ولا سكناته وحركاته ولا حتى أخلاقه ‏حين علمت أنه احتسى مشروبا كحولياً لأول مرة في حياته مع أحد ‏أصدقائه، وطلب مني في علاقتنا الخاصة أموراً غير طبيعية يأباها ‏الشرع ويقذرها، فضلا عن ضربه العنيف للأولاد وهو الذي لم يسب ‏أحدهم مرة خلال تربيته لهم.

وبغض النظر عن عصبيته الزائدة وسرعة اعتذاره عن كل كارثة ‏أخلاقية يقوم بها، إلا أن ما دفعني للهروب إلى الطبيب النفسي كان ‏اتهامي لنفسي بالخرف والهلاوس، بعد أن شاهدته أكثر من مرة وأنا ‏مستيقظة ولكن أدعي النوم يسير في الغرفة بساقي وحوافر ماعز.

وأاسفاه على عقلي الذي ذهب! لقد صرت مريضة فصام عقلي ‏وصرت أرى ما لا يراه الناس؟!‏

هذا الشعور التي كدت أحيا بها عمري كله لولا أن الحقيقة تأتي ‏كالصاعقة تضرب ولا تبالي وعلينا نحن أن نصدق أو نكذب!!‏

حين جاءتني هذه المكالمة من قسم شرطة الدقي فكفكفت دموعي ‏وعدلت من صوتي حتى أرد:‏
‏-‏ مساء الخير.. الأستاذة ندى؟!‏
‏= أيوا يا فندم مساء النور‏

‏-‏ حضرتك مش فاكراني.. أنا النقيب أيمن الهواري من قسم شرطة ‏الدقي.. أنا اللي كنت في الحملة اللي خرجت زوج حضرتك من ‏بلاعة شارع مصدق
‏= اااه أهلا بحضرتك.. خير؟!‏

‏-‏ أستاذة ندى أنا محتاج حضرتك عندي هنا في القسم علشان فيه ‏حاجة غريبة جدا أنا مش فاهمها.
‏= خير يا سيادة النقيب.. أنا مش ناقصة الحقيقة فيا اللي مكفيني فلو ‏نقدر نأجلها مهما كانت الأسباب

‏-‏ مش هنقدر للأسف لأنه شيء محير وماحدش هيجاوب عليه غير ‏حضرتك
‏= اشمعنى أنا يعني؟!.. .وحضرتك ليه مش عايز تقول بوضوح ‏وعلطول في المكالمة دي أنا آسفة يعني ؟!!‏

‏-‏ طب سيبك م الشيء المحير.. ده مش شغلي ده شغل النيابة بعد ‏كده.. المهم بالنسبة لي تيجي تتعرفي ع الجثة وتستلميها.
‏= جثة؟!!!.. جثة مين؟!!‏

‏-‏ جثة زوج سعادتك.. الأستاذ جلال حسن النشار.. من ساعة بس ‏لاقيناها من خلال أعمال حفر وإصلاحات لمواسير المجاري في ‏المنطقة.
‏= إنت بتقول إيه؟! بتقول إيييه؟ أومال اللي معايا في البيت ده ‏مين؟

‏- ما أعرفش.. علشان كده هنحتاجك في تحقيق رسمي نفهم اللي خرج ‏معاكي يوم الحادثة ده مين؟


حكايات قبل الموت

حكايات أخرى من السلسلة:

الجنازة حارة !

لعنة ليلة الدخلة!

ثلاث دقات

أشباح السيارة الخالية! (1)

أشباح السيارة الخالية! (2)

وارد المشرحة

إعدام عشماوي

سعاد المحروقة

حفيد إبليس

 حديث الوسادة الملعونة

مسجد الجن

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة