Close ad

المزايدات ومصطبة السوشيال

28-11-2022 | 11:54

(من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر).. كلمات قالها المسيح عليه السلام وهم يجرون خلفهم امرأة متلبّسة بذنب، واليوم هي حقًا قاعدة إنسانية مرنة وفيها من القيم ما يجعل الحياة قابلة للتعايش والتسامح، خصوصًا إذا تعلق الأمر بأشخاص لهم إسهاماتهم الفارقة في الحياة، فمن فترة لأخرى تضج المواقع والسوشيال ميديا بأخبار تحمل معها تكهنات واستنتاجات وحكايات عن أحد الشخصيات المعروفة، وعلى الرغم من أنه لا أحد فوق القانون، وهو ما نتذكره جيدًا، لكن بالتوازي مع انتباهنا لذلك أو ربما قبله فلنتذكر ألا نتعجل في أحكامنا ونرمي الناس بحجارة اللوم والتبكيت قبل أن نتبين، وحتى إن تبينا لم تكن هذه الهجمة الشرسة على أشخاص لمجرد أنهم وقعوا في أزمة ما؟
 
للأسف الشديد يتورط الكثيرون دون انتظار ما الذي سيقوله القانون، فيغدون لا يحترمون قيمة القانون الذي ينادون به، وكأنهم كانوا ينتظرون حكاية شائكة لتبدأ المكلمة، فهل صارت هذه سلوكيات وأخلاقيات العصر؟ هل أصبحت المزايدات جزءًا من العقلية المصرية وبالأخص على مستوى السوشيال ميديا؟ لماذا نسمح لأنفسنا بتداول أخبار عن الحياة الشخصية وصور للتنمر؟ كيف استباحوا المزايدة والتشهير بهذا الشكل الفج؟، نعم كيف يصل الأمر إلى حد نشر أوراق رسمية خاصة تنطوي على بيانات الأشخاص وعدم احترام خصوصية الناس؛ بل والخوض في أعراضهم، دون التيقن من أي خبر متعلق؛ لأن النهم الشره تجاه نشر الفضائح وتداولها للأسف الشديد هو المسيطر، فهل تناسى هؤلاء قول الله عز وجل عن التيقن من الأخبار التي تصلنا (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).
 
وقد علمتنا الحياة أن للحقيقة عدة وجوه لا نستطيع معرفتها أو تفسيرها إلا بعد اكتمال أركانها، فلا أحد يستطيع أن يطلب غض الطرف عن الأخطاء أو السلوكيات الاجتماعية غير السوية.. ولكن لنتذكر أن جميعنا قد نتعرض لسوء فهم أو مشكلة عارضة أحيانًا، فإذا كنا سنصدر أحكامنا على الناس بمجرد استيقافهم ومعاملتهم على الفور معاملة المذنب فلماذا إذن هناك المعمل الجنائي والطب الشرعي وسرايا النيابة والمحاكم، ونصدر نحن البعيدين عن دائرة الوقائع أحكامًا مؤلمة وساخرة وشامتة على مواقع التواصل في أمر كل معلوماتنا عنه أنه مجرد خبر من سطرين وبعض الصور؟!

هل نسينا قول الله تعالى: (.... فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، فهل قرر المزايدون من رواد التواصل الاجتماعي والمواقع الخبرية من نوعية تحت السلم أنهم ذوو جلد سميك لا يندمون إذا استباحوا أخبار الناس وتعمد نشر الفضائح، ألم يدرك هؤلاء أن السنة النبوية الشريفة رغبت في قيمة الستر، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ: لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِع اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مؤمنًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فرفقًا بالبشر حتى لو أخطأ أحدهم فليس منا في هذا الوجود من لم يخطئ.. واحرصوا على أنفسكم من الزلات وعاقبتها الكئود، وليكن شاغلنا الأكبر نشر المحبة والسلام وأخذ الأمور على المحمل الحسن، لأن هذا هو السلوك القويم والداعم لمجتمع متصالح وآمن بلا ضغائن أو حقد، بل إنه يوسع من دائرة التعاضد بين الناس، أما ما يحدث من تناول فج واستباحة مؤسفة لحياة الأشخاص فإنه يزيد هوة تفسخ المجتمع ويبقى جمرة الكرة مشتعلة بالتربص والمزايدات. كفانا الله وإياكم شر المزايدة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: