Close ad

محمد رسول الإنسانية

27-11-2022 | 15:56
الأهرام المسائي نقلاً عن

كان رسول الله يحمل أجمل المشاعر وأطيبها تجاه الناس طوال حياته، مما جعل الجميع يتعلق به ويحبه قبل الرسالة وبعدها، وحينما كفله عمه أبوطالب تعلق به وأحب محمدًا الطفل الصغير حبًا شديدًا حتى إنه لم يستطع فراقه فاصطحبه معه في رحلته للتجارة إلى الشام، وهناك رآه بصرى الراهب وأخبر العم بأن هذا الغلام سيكون له شأن عظيم، وأنه النبي القادم المنتظر.

محمد النبي الإنسان سجله حافل بالإنسانية المتدفقة والمودة الرائعة فلم ينس يومًا مرضعته حليمة السعدية وكان سببًا في يسرها وسعادتها؛ فبركته منذ طفولته شهد بها الجميع، حليمة بقلب الأم الحنون أخذته رغم يتمه، ولم تتخل عنه فإذا ببركات الدنيا والدين والآخرة تنزل على أسرتها وقومها.

كان يحتفي بها حفاوة الابن بأمه ويلقاها فرحًا مسرورًا مرددًا: أمي، أمي، ويفرش لها رداءه الشريف ويعطيها من الإبل والغنم والخير ما يغنيها في أي سنة جدباء، ويذكر فضلها عليه.

وحينما جاءت قبيلة حليمة السعدية "هوازن" وهي مهزومة في حنين، وفيها عم له من الرضاعة وشفعت الشيماء أخته من الرضاعة في قومها فأطلقهم جميعًا إكرامًا لأمه من الرضاعة، وعرفانًا بفضلها، ولم يجبر من رفض رد حقوقه في الغنائم فاشتراها منه وردها عليهم، وأطلق يومها ستة آلاف أسير من هوازن إكرامًا لحليمة التي كانت من هذه القبيلة، نصر كامل يهبه إكرامًا لأمه وشقيقته وعمه من الرضاعة لا تحسبوا بالقهر قوم شعبه لا.. لا.. أخلاقه غزت القلوب بنبلها قبل.. استلال سيوفه ورماحه.

محمد الإنسان ﷺ لم يزل طوال حياته يعرف فضل جارية سوداء حضنته وهو صغير اسمها "أم أيمن"، يرعاها، يهتم بأمرها، ينشغل بعدم زواجها وكأنه أب لها، يناديها حتى بعد النبوة كلما رآها "يا أمي، يا أمي"، تحدثه بلكنتها الأعجمية وهي تعنفه أو تلومه فيصغى لها ويبتسم لحديثها ويلبى طلباتها، حزن لعدم زواجها فقال لأصحابه "من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن" ويزوجها من أحد الصحابة الأفذاذ وكأنه يرد لها الجميل.

وخدمه أنس بن مالك عشر سنوات وكان طفلًا صغيرًا فيطلب منه الرسول شيئًا ، فيغفل عنه أنس ويلعب ويلهو مع الأطفال ويعود بعدها بساعات خالي الوفاض فلا يعنفه ولا يوبخه بل يبتسم لنسيانه ولهوه، وقد قال: أنس " خدمت رسول الله ﷺ عشر سنوات كاملة فما قال لي أفٍ قط"وهي أقل كلمة عتاب ولوم"ولا قال لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته".

ومن فرط إنسانيته كان يميل الإناء للهرة لتشرب رغم مشاغل النبوة والرسالة.

وكان يعزي طفلًا في موت عصفوره " النغير " ويهتم بحزنه على عصفورة فيمازحه قائلًا "يا أبا عمير، ما فعل النغير".

هل رأيتم من قبل نبيًا يعزي في عصفور ميت لطفل صغير، ما أرحمك يا سيدي.

وكان يهتم بمشاعر الأم حتى لو كانت حيوانًا أو طائرًا فقد رأى عصفورة مهتاجة وملتاعة تطير هنا وهناك في لهفه تبحث عن أفراخها، فأدرك بحسه الإنساني العميق لهفتها وكربتها فقال لأصحابه:"من فجع هذه  في أفراخها، ردوا عليها أفراخها" فقال صحابي:أنا يا رسول الله، فرد الأفراخ الصغار إليها وكان قد أخذهم من العش ليربيهم عنده ويسعد بهم.

لهفة الأم على أولادها ومشاعرها المكروبة لا يقرأها إلا نبي كريم رحيم ودود، كل ذرة في كيانه مغمورة بالإنسانية المحبة للكون كله.

إنسانية امتدت للكون كله حتى الجماد ، والجبل الذي ذبح عيه أصحابه وبقرت عليه بطونهم ، يقف عليه النبي الكريم قبل موته بأيام ويهتف في الكون قائلًا "جبل أحد يحبنا ونحبه" لينزع من نفوس كل الأجيال أي تشاؤم بهذا الجيل الأشم.

إنسانيته ورحمته شملت حتى العصاة "إنها تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم"ويتحدث بمنتهى الرحمة عن مومس أو بغي سقت كلبًا يلهث من العطش فلم تجد إلا أن تخلع خفها وتغامر بنفسها في مكان لا يراها فيه إلا الله مخلصه له ، يقول عن هذه البغي "فشكر الله لها وغفر لها "شكر الله لها هذا الصنيع وغفر لها كل ذنوبها .

ولو أن هناك تكفيريا عرضت عليه قصتها لقال تلقائيًا:والله لو سقيت مئة كلب فأتت فاسقة كافرة، ولكن الرسول ينظر للعصاة بمنظار الرحمة والعطف ومحبة إنقاذهم  من النار.

ومن إنسانيته أنه كان لا يعامل أعداءه بمثل معاملتهم فلم يخرج مهاجرًا من مكة للمدينة إلا بعد أن رد الأمانات إلي أهلها، رغم أنهم هم الذين أذوه وأخرجوه من أحب بلاد الله إليه، وحاصروه سنوات في شعب أبي طالب.

ومن إنسانيته أنه كان لا يصرف وجهه عن وجه محدثه حتى يكون الرجل هو الذي يصرف وجهه، ولا ينزع يده من يده حتى ينزع الرجل، ويقف لليتيم والفقير والأرملة في الطريق، يصغى إليهم حتى يسمع حاجتهم ويلبيها، وكان لا يمد قدميه في وجه مجالسيه، ويجلس حينما انتهى به المجلس عكس الملوك والحكام الذين تخصص لهم مقاعد خاصة بوضع خاص وبرستيج خاص.

وكان يهتم بالخدم ويوصي الناس عليهم "هُم إخوانُكم خَوَلُكم، جَعَلَهم اللهُ تحت أيْديكم"، ويوصي بإطعام الخادم من نفس الطعام " فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي وليَ حرَّهُ ودخانَهُ"ومن تعب في تجهيز الطعام فهو أولى بتذوقه.

وأطلق ﷺ  هتافه العظيم والمؤثر في كل من يحب الرسول ﷺ ويريد أن يكون في معيته "ابغوني الضُّعفاءَ ، فإنَّما تُرزقونَ و تُنصرونَ بضعفائِكُمْ".

لا تفوت إنسانيتة رحمة بطائر أو حيوان أو جماد، جاء رحمة للكون كله، وبشيرًا لهم وملهمًا للناس جميعًا، حياته رحمة، وشريعته وسيرته وسنته رحمه، إنه الرحمة المهداة ، " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

كلمات البحث