Close ad

إشكالية التعليم العالي وضرورة البحث عن نموذج بديل

27-11-2022 | 13:01

مع تزايد حالة الانفصال بين التعليم العالي وقابلية التوظيف أي صعوبة تأهيل التعليم الحالي للتوظيف المناسب للخريج، إلى جانب ارتفاع تكاليف الرسوم الدراسية بصورة واضحة حول العالم وتزايد مشكلة الديون الدراسية للطلاب هنا وحول العالم، بالإضافة إلى تزايد اعتماد أرباب العمل بشكل أقل على التعليم الجامعي ومحاولات القطاع الخاص والعائلي تحديدًا استكشاف مسارات مختلفة بعيدة عن مسارات التعليم العالي كمصادر بديلة لسد فرص التوظيف الحالية والمتوقعة، فقد تزايد الاهتمام حديثًا بالتوصل لحل لهذه المعضلة، فتوصل البعض إلى نموذج يطلق عليه عالميًا "نموذج المؤسسة التعليمية الجديد" كنهج بديل يجمع بين الخبرة الأكاديمية والتدريب العملي.
 
حيث يجد التعليم العالي نفسه محاصرًا في مأزق مؤلم وبصورة متزايدة، فمن ناحية، أعرب أصحاب العمل عن مخاوف متزايدة بشأن الانفصال بين التعليم وقابلية التوظيف، ومن ناحية أخرى، فإن تكلفة التعليم العالي تنمو بسرعة في دول عديدة ومنها الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال، تجاوزت الرسوم الدراسية بها معدل التضخم بشكل كبير، وتجاوز إجمالي الدين المخصص للتعليم 1.75 تريليون دولار.
 
هذا بالإضافة إلى حالة التراجع التي لا ينبغي أن تكون مفاجئة للرأي العام حول التعليم العالي في الولايات المتحدة تحديدًا، والذي قد تراجع بشدة في السنوات الأخيرة؛ حيث إن المؤسسات الأكاديمية تجد نفسها مستقطبة في نقاش متزايد حول هذه القضية الشائكة، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن مصداقية العديد من المؤسسات الأكاديمية حول العالم باتت محفوفة بالمخاطر، وهذا بدوره يشير إلى أن القضايا الهيكلية في التعليم العالي أصبحت عميقة الجذور ومتشابكة وتحتاج إلى إعادة تقييم.
 
وما يميز هذه المشاكل أنها باتت عالمية في طبيعتها، فهناك العديد من الدول دأبت على دعم التعليم العالي بشكل كبير ومنها مصر، والإنفاق الحكومي بها مرتفع ويصل لنسبة 2.5٪ في المتوسط من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن فجوة التوظيف غالبًا ما تكون أكثر وضوحًا؛ مما هي عليه في كثير من أنحاء العالم، وهذا يعد دليلًا واضحًا على أهمية الانتباه لهذه القضية المهمة، وعلينا أن نحدد شكل نموذج التعليم العالي الذي يسهم في التوظيف بشكل مباشر ويعالج المشاكل الهيكلية والمزمنة في التعليم العالي المعاصر.  
 
نتيجة لتفشي المشكلة وخاصة عقب انتشار وباء كوفيد-19، بدأ أرباب العمل في التصرف بطريقتين فريدتين؛ أولاً، الاعتماد بشكل أقل على التعليم الجامعي: حيث انخفض عدد الوظائف التي تتطلب درجة جامعية بنسبة 45٪ مثلا في الولايات المتحدة في السنة الأولى من انتشار وباء كوفيد-19؛ ثانيًا، حاولت الشركات الكبرى إيجاد مسارات تعليمية بديلة للتوظيف وسد فجوة الاحتياجات البشرية المطلوبة؛ حيث كانت معظم الصناعات قد أعلنت حالة طوارئ في ظل هذه الظروف، كما أن الوضع يستوجب على الأوساط الأكاديمية فعل نفس الشيء، والبحث عن حلول في إستراتيجياتها لمكافحة هذه الآفات في التعليم العالي، ومما لا شك فيه أن التعليم العالي الكلاسيكي يتمتع بالعديد من السمات التي يجب الحفاظ عليها منها كونه تعليمًا شاملًا، يؤهل للاستعداد للحياة، كما أنه يحقق التنمية الاجتماعية والعاطفية للمتعلم أو الدارس، وإن كان ذلك غير كافٍ.
 
لكن من المؤكد أن القيادة الأكاديمية للمؤسسات التعليمية عليها أن تتوصل إلى إجابات للأسئلة الوجودية قبل فرض حلول أقل استساغة لإرغام المجتمع عليها في ضوء ما نشهده من ملابسات الأزمة الاقتصادية الراهنة، والتي لا يجب أن يكون التعليم فيها أحد الأسباب الإضافية بتكلفة إضافية ليس لها مردود؛ حيث يحصد الطلاب شهادات لا قيمة لها في سوق العمل المتغير والصعب والمعقد، والذي يحتاج لمقومات لم يُحصِّلها الطالب على مدار دورة تعليمية كاملة.  
 
مطلوب نموذج تعليمي جديد وفي مؤسسات تعليمية تعمل بشكل مختلف:  نموذج يعتمد على القليل من التدريس والكثير من التدريب ونقل الخبرة والمهارات من خلال التعاون والمشاركة.
 
من المهم جدًا في هذا التوقيت تقديم نموذج بديل للتعليم في مرحلة البكالوريوس في مجالات فريدة؛ منها على سبيل المثال علوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي وإدارة الأعمال، نموذج يعتمد على مؤسسة تعليمية مختلفة تحظى بإجراء العديد من التغييرات الهيكلية والتربوية وتطوير المناهج الدراسية في ظل منهج إداري مختلف ومكونات تنظيمية مرنة ومتغيرة لتواكب التحديات الناشئة في ظل هذا الكم من الأزمات المتلاحقة حول العالم، وفي هذا التوقيت الفريد.
 
يحاول النموذج المقترح للتعليم العالي أن يكون مركزًا مكانيًا بشكل أساسي، ولكن التدريس فيه سوف يعتمد على ما يسمى بنموذج "الفصل الدراسي المعكوس"، وبشكل حصري تقريبًا، في مثل هذه الفصول الدراسية المقلوبة، يتم تقديم مواد المحاضرات رقميًا، ويخصص وقت الفصل الفعلي للمناقشات وحل المشكلات بصورة عملية ويعتمد على المختبرات والتدريب مع تقديم المساعدة للمتلقي من قبل المدرب عندما يطلب ذلك.
 
هذا النموذج يمكن من استخلاص المحتوى عبر الإنترنت ومن العديد من المصادر الحالية، ويمكن أن تشارك المؤسسات التعليمية فيه مع مؤسسات أخرى مماثلة والمؤسسة "الأم" لتشكيل هذا المحتوى، على أن تكون جودة التدريس هي الشغل الشاغل في هذا النموذج التعليمي الجديد، وسيتم الحكم على أعضاء هيئة التدريس في المقام الأول على هذا النحو.
 
في نظام تعليمي تعاوني بين الجامعة والشركات يكون تنمية الفرد وصقل خبرته هي محور التركيز الأولي، في مثل هذا التعاون - الخبرات الصناعية المنسقة التي يكون نمو الطلاب فيها هو الهدف الرئيسي – هذا هو محور تركيز نموذج المؤسسة التعليمية الجديدة المزمع تكوينها. 
 
ولاستيعاب هذا التبادل والتعاون، يقترح نموذج المؤسسة التعليمية الجديد تقويمًا ثلاثيًا أو "ثلاثة فصول دراسية في العام الجامعي" هي الخريف والربيع والصيف على أن تكون متساوية في المدة مع وجود فجوات كافية لضمان تمتع الطلاب أيضًا بإجازات صحية تساعدهم على الاستمرار في التعلم والممارسة التطبيقية.
 
في ظل هذا النموذج الجديد للتعليم العالي، يتألف منهج دراسي مدته أربع سنوات مكون من 11 فصلًا دراسيًا، أربعة منها ستكون بشكل تعاوني، يتم تشجيع المنظمات التي لها نظرة واسعة لتشمل الشركات والمختبرات والمتاحف والجامعات الأخرى والمنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة - على الشراكة بشكل وثيق مع النموذج المقترح  والعمل على تطوير عدد من الشراكات المتبادلة والتي تسمح بتبادل الخبرات.
 
و سيكون للشراكات عدة أبعاد: سيتم دعوة الموظفين المؤهلين في الشركات لقضاء إجازات في المؤسسة التعليمية، وفيه أيضًا يتم تشجيع أعضاء هيئة التدريس المكلفين بهذا النموذج التعليمي الجديد على أخذ إجازاتهم والتواجد في هذه المؤسسات لمعايشة الواقع وتحليله في عمليات التعليم والتدريب وفق ضوابط هذا النموذج التعليمي المقترح هنا.
 
ومن المتوقع أن تنتج هذه الشراكة القوية العديد من الفوائد، لا سيما في ضمان السياق والملائمة والاستعداد لجميع جوانب النموذج الجديد والذي تتولاه مؤسسة تعليمية فريدة، الأهم من ذلك، سيتم دفع مبالغ للطلاب أثناء التعاون بين الجامعة والشركات والمؤسسات المشاركة في تطوير هذا النموذج التعليمي المقترح، مما يؤدي إلى تغيير في معادلة التدفق النقدي بالنسبة لهم ومواجهة مشكلة ارتفاع تكلفة التعليم، ويمكن للشركات استخدام أطر التعاون لضمان خط متدفق ومستمر من المرشحين المستعدين للوظيفة، بل وجاهزين للعمل على الفور بمجرد تخرجهم.
 
البديل لهيكل المقرر الدراسي التقليدي
وفق المقترح المقدم هنا والتي يجب أن تتولاه مؤسسة تعليمية فريدة تعمل بفلسفة مختلفة عما هو تقليدي، يقترح النموذج الجديد في التعليم العالي أيضًا بديلًا لقائمة الدورات التدريبية "ذات الشكل الحر"؛ حيث يتم تنظيم الدورات في شكل سلاسل تعليمية قابلة للاعتماد، والتي يمكن اعتبارها تعميمًا للتخصصات العامة والخاصة في مجال الدراسة.
 
تتكون الدرجة من خمسة إلى ستة متواليات تحمل بيانات الاعتماد، وتحمل بيانات اعتماد قيمة مستقلة داخل الدرجة، ونظرًا لما تحظى به دورات العلوم الإنسانية في العالم الحديث، فقد تم دمجها في هذه السلاسل العلمية الموجهة لتطوير المهارات والقدرات المتنوعة للمتلقي.
 
على سبيل المثال، قد تحتوي سلسلة في الذكاء الاصطناعي على دورات في الجبر الخطي والحساب والتعلم الآلي والأخلاق والعلوم الاجتماعية، وسيتم تدريس هذه السلاسل من قبل مجموعات من المعلمين متعددة التخصصات، باستخدام مواد عبر الإنترنت بدلاً من المحاضرات، والتركيز على الوقت الشخصي في التعلم الحقيقي، وعلينا التوفيق بين السياق والأهمية من منظور الواقع الخاص بالممارسة.
 
كما أن أوراق الاعتماد الصغيرة لها ميزتان أخريان، أولاً، تمثل معدلات التسرب مشكلة خطيرة في التعليم العالي اليوم، كما أن السجل الأكثر دقة للإنجازات ضمن الدرجة العلمية يوفر للطلاب الذين لا يكملون شهاداتهم إنجازات قابلة للتسويق ذات قيمة ومنفعة من منظور رب العمل؛ ثانيًا، لا نعتقد أن التعليم ينتهي بالتخرج في القرن العشرين، نعتقد أن الطلاب سيستمرون في تجميع المعرفة والمهارات طوال حياتهم من خلال التسجيل للحصول على أوراق اعتماد عبر الإنترنت أثناء عملهم لتطوير المسار الوظيفي الخاص بهم، وهذا يستلزم ربط الخريج بالجامعة كمصدر مهم له لتطوير نفسه والحفاظ على تنافسيته في سوق العمل.
 
واخيرًا علينا التخلص من فكرة النموذج التعليمي الواحد المناسب للجميع، ونقدم هنا عوامل دفع جديدة لمساعدة التعليم العالي على الهروب من بعض القيود الصارمة التي يبدو أنه محاصر فيها، وعلينا أن نعتمد الكثير، بما في ذلك نموذج الأعمال، على قرارات التنفيذ المتعلقة بهذه التفاصيل "العادية" مثل الإستراتيجية والرعاية الطبية والرواتب والموظفين والموقع؛ ومع ذلك، نعتقد أن نموذج التعليم الحالي الذي يروج على أنه يناسب الجميع أصبح مقيدًا، ونأمل أن نبدأ محادثة تستكشف البدائل غير التقليدية.
 
وختامًا نقول إن العالم بحاجة ماسة لإعادة صياغة التعليم العالي من خلال نموذج فريد يستند إلى مؤسسة تعليمية قوية تستهدف  تقديم نوعية مختلفة من التعليم المعتمد على التطبيق والممارسة والتدريب والخبرة، بما يسمح بمعالجة مشكلة ارتفاع تكلفة التعليم العالي وعدم ملاءمته للتوظيف، وبالتالي تكون برامجنا الجديدة موجهة لخدمة القضايا الاقتصادية المهمة التي تدعم النمو الاقتصادي وتساعد الدولة على نهضتها، وبالتالي يعظم العائد من المنفق على التعليم بشكل يسمح بتراكم القوى البشرية القادرة على نقل الاقتصاد المصري لمكانة فريدة، وهنا نستطيع القول أن التعليم أصبح شريكًا أساسيًا في نجاح منظومة التنمية الاقتصادية للدولة.
 
* عميد كلية التجارة – جامعة القاهرة

كلمات البحث