Close ad

أمريكا.. ومافيا السلاح! (1)

26-11-2022 | 10:12


 قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي الأخيرة أبدى الديمقراطيون تعاطفًا مع قضية العنصرية بسبب ما حدث من انتهاكات ضد الزنوج من قِبل الشرطة الأمريكية، وعندما جاءت النتائج لتصب بشكل ما في صالح الديمقراطيين وإن فاز الجمهوريون بأغلبية ضعيفة؛ فسر بعض المحللين أن شعبية بايدن التي تدنت إلى نسبة 30% يقابلها توازن آخر ناتج من مثل هذا التعاطف مع قضايا الأقليات.
 
وفي القلب من هذه القضية ظهرت قضية أخرى أشد إلحاحًا مثلت حجر عثرة لدى كل رئيس أمريكي هي قضية انتشار تجارة السلاح بشقيها الرسمي وغير الرسمي خاصةً في أعقاب الانقسام المجتمعي بين اليمين واليسار بعد ظهور الحركة الترامبية التي صاحبها عودة ظهور الجماعات العرقية شديدة التطرف مثل "كوكلوكس كلان" وأشباهها.
 
ومنذ ذلك الحين إلى اليوم تكررت حوادث القتل الهستيرية بالرصاص في الشوارع والمدارس الأمريكية، وهي حوادث قديمة متكررة، لكن وتيرتها زادت بما ينذر بعواقب وخيمة حال تفاقمها في ظل انقسام مجتمعي كامن كالنار تحت الرماد.
 
أمريكا فوق صفيح ساخن
 الأرقام تقول إن صادرات أمريكا من السلاح تعادل ما يزيد على 175 مليار دولار سنويًا بنسبة تصل لنحو 38% من تجارة السلاح في العالم، فأين يذهب فائض مصانع السلاح هناك؟ لاشك أن جماعات الضغط في الداخل الأمريكي من مصلحتها أن تروج تجارة السلاح في الداخل الأمريكي لا لشيء إلا لتحقيق أرباح خيالية تدوم ولا تنقطع، ولهذا؛ فإن حجم التجارة بالأسلحة وذخيرتها داخل الولايات الأمريكية ذاتها يتعدى الـ 70 مليار دولار في السنة. 
 
نحن نتكلّم عن اقتصاد سلاح يدرّ حوالي 250 مليار دولار سنويًّا ويوفّر عشرات الآلاف من الوظائف، هذا في نظر دهاقنة المال والأعمال في أمريكا وأكثرهم يهود!
 
أكثر من هذا أن عدد المدنيين الأمريكيين الذين يملكون السلاح يقدّر بـ72 مليون مدني، لديهم 360 مليون قطعة سلاح، أي ما معدّله خمسة قطع للشخص الواحد. بالمقابل، في العقد الممتد من 2000 إلى 2009، كان المعدّل أربع قطع للشخص.
 
بمعنى آخر، زاد اقتناء الأمريكيّين للسلاح في العقد المنصرم، وتجاوز عدده عدد سكان أمريكا (332 مليون نسمة)، وهناك نسبة تصل من 35% إلى 42% من الأسر في الدولة لديها سلاح واحد على الأقل؛ لذا تمتلك الولايات المتحدة أعلى رقم تقديري للأسلحة النارية لكل فرد في العالم، والذي يبلغ 120.5 سلاح ناري لكل 100 شخص!! ذلك هو الإحصاء الرسمي، ناهيك عن السلاح غير المرخص، وطامته أفدح؛ معنى هذا أن كل بيت في أمريكا يملك سلاحًا ناريًا أو أكثر أو يسعى لامتلاك سلاح إن كان فقيرًا لا يملك ثمنه!
 
لابد أن يكون لفوضى السلاح تلك مردودًا خطيرًا على سلامة البنيان المجتمعي في أمريكا لاسيما في ظل انتشار الجريمة المنظمة وتجذر جماعات المافيا والعصابات المسلحة، والآن عادت حركات التعصب والعنصرية ضد السود أدت لجرائم وظواهر عنف راح ضحيتها عدد كبير من الأمريكيين.
 
من جديد تتحدث الأرقام لتشي بكارثة.. إذ تقول الدراسات إن نحوًا من 329 شخصًا يصاب يوميًا بطلق ناري يموت منهم 123، أي أكثر من 45 ألف قتيل سنويًّا بما يطلق عليه عنف الأسلحة الناريّة (Gun violence) منهم حوالي 24000 حالة انتحار و14400 حالة قتل متعمّد، بينهم 611 من رجال الشرطة يقتلون على يد مدنيين! هذه الأرقام تشمل فقط استخدام المدنيين السلاح ضدّ أنفسهم، عائلاتهم، أصدقائهم، زملائهم، جيرانهم، ولا يدخل من ضمنها عدد الذين يُقْتَلون على يدّ أجهزة الشرطة (حوالي 1000 شخص سنويًا) أو بوسائل أخرى، إنها كارثة بكل المقاييس، لكن الغريب أنها لا تبدو كأمر مقلق في أمريكا وقياداتها، كأنه بات أمرًا عاديًا ولازمة من لوازم الحياة الأمريكية!
 
ماذا لو تحولت العادة إلى أزمة؟
إذا قادك حظك لتزور أمريكا يومًا لابد أن تجد من يهمس في أذنك إذا شئت المكوث خارج الفندق لوقت متأخر أن تحوذ سلاحًا، ولا تسأل من أين تحضره!
 
هكذا يعلم أي طفل هناك أن من الخطر أن تسير في أي حارة أو زقاق في أمريكا وأنت أعزل، وإلا عرضت نفسك لخطر السرقة أو القتل، وبرغم أن أفراد الشرطة منتشرون في شوارع أمريكا، لكن أنى لهم أن يقوموا بتغطية كل شوارع أمريكا، الضمير الذاتي هناك منعدم ولا سبيل إلى منع الأثر الفتاك لظاهرة انتشار السلاح الناري إلا بتشريع القوانين وتنفيذها بيد من حديد، لكن ماذا لو تكاسلت الشرطة أو ضعفت أو تواطأت؟
 
ثمة نوع من التوازن القسري والتعايش الحذر حدث بين الشرطة وبين رجال العصابات هناك بعيدًا عن عصا القانون، هكذا استطاع الأمريكيون أن يحيوا حياة هادئة مستقرة رغم انتشار تجارة السلاح، ورغم أن كل فتاة تسير وفي حقيبة يدها مسدس صغير أو سلاح أبيض أو رذاذ حارق، فهل تدوم تلك الحالة من الاستقرار المنذر؟
 
الحقيقة أن هناك مؤشرات مقلقة وخطيرة في مثل هذا الوضع العجيب.. أول تلك المؤشرات ما حدث منذ أسابيع من إطلاق إنذارات في بعض المطارات الأمريكية بسبب اختراق سيبراني قيل إنه من جانب الروس أو الصينيين! وهذا ليس أول الحوادث ولا آخرها، معنى هذا أن الداخل الأمريكي يتم اختراقه من أعداء أمريكا الحاليين وهم أندادها في الحرب الأخيرة.
 
المؤشر الأخطر من هذا عودة جماعات التعصب ضد الأقليات منذ انتخابات الرئاسة الأخيرة وحتى اليوم، وهؤلاء مهما كانوا قلة إلا أن تأثيرهم سام على نسيج المجتمع الأمريكى.
 
المؤشر الثالث والذي قد يكون الأشد خطورة هو أن أولويات الكونجرس المعلنة وضعت الداخل الأمريكي كأولوية ثانية بعد أولوية أخرى هي الوجود الأمريكي ذاته، إن صناع القرار قلقون للغاية من انسحاب البساط من تحت أقدام أمريكا القوة العظمى الأولى كنتيجة لصعود نجم الصين كقوة اقتصادية ما زالت تنمو نموًا سرطانيًا مخيفًا يهدد الوجود الأمريكي ذاته، لاسيما وقد اعتبرتها أمريكا عدوتها، وباتت المواجهة بينهما حتمية، فماذا لو خرج الصراع عن السيطرة، وأفلت زمام الأمور من يد أمريكا؟ حينها لا تسل عن حال المجتمع الأمريكي في الداخل إذا سادت فيه الفوضى.
 
[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة