راديو الاهرام

سد تنزانيا العالي

23-11-2022 | 11:50

جاء إعلان القاهرة بانتهاء التحالف المصري من الأعمال الإنشائية لجسم السد الرئيسي بتنزانيا وبدء إجراءات الملء الأول للخزان على مساحة 158 ألف كيلومتر مربع بمثابة الإعلان الناجز عن قدرات مصرية في تنفيذ مشروعات كبرى في إفريقيا..
 
ومصدر السعادة أو الرسالة غير المباشرة هنا، لا تستهدف المكايدة أو من باب معاندة سد النهضة الإثيوبي، أو حتى لفت نظر أديس أبابا إلى أهمية التعاون والشفافية وليس الصراع، في إنجاز مشروعات التنمية التي تأخرت كثيرًا في إفريقيا.
 
وما يعنيني هو أن مشروع سد تنزانيا يعدُ مثالًا جديدًا على قدرات القوة الناعمة المصرية، وهي هندسية هذه المرة، في تحقيق أهداف وطموحات الشعوب في القارة، ونموذجًا لإدارة هذه القوى وتوجيهها في عالم مختلف جذريًا عن الخمسينيات والستينيات، وفي ظل فرص قليلة يجب اقتناصها، وتنميتها وزيادتها.
 
ولا أظن أن النخب في إفريقيا قادرة على نسيان أو تجاهل تاريخ عميق من المواقف المصرية أثناء الاستعمار الأوروبي للقارة، من فتح مكاتب جبهات التحرير في القاهرة، وإعانة تلك الجبهات ماليًا ومعنويًا وسياسيًا، وبث الإذاعات الموجهة باللغات الإفريقية المحلية من القاهرة إلى دول القارة لتحفيز شعوبها على الصمود والاستمرار في الكفاح، فضلا عن إرسال مواد إذاعية وبرامج وأغاني وأفلام إلى الدول في بداية أو في مرحلة التحرير لدعم قدراتها الثقافية والولادة الجديدة للدولة، وكانت دول إفريقية عدة تتحدث اللغة العربية، وكانت في حاجة إلى تلك الأغاني والبرامج والتسجيلات الوثائقية..
 
ولم تكن الهندسة والاقتصاد بعيدين، فعقب استقلال الدول، مدت مصر عن طريق شركة النصر للتصدير والاستيراد أذرع تجارية نحو العواصم الإفريقية، وبما يلزمها من منتجات وأدوية، وعن طريق شركة المقاولون العرب لإقامة جسور وانشاء طرق، وما زال بوسع شركة النصر أو ينبغي عليها مواصلة دورها التنويري والاقتصادي، عبر فروعها في إفريقيا وغيرها (716 فرعًا حول العالم: موقع الشركة على الإنترنت).
 
ولم يكن سد تنزانيا المنجز سوى تحالف مصري بين شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك على نهر روفيجي بتكلفة 2.9 مليار دولار أمريكي، بما في ذلك محطة جوليوس نيريري الكهرومائية بقدرة 2115 ميجاوات وسعة تخزين تصل إلى 33 مليار متر مكعب بارتفاع 134 مترًا ويغطي مساحة 1350 كم بطول مائة كم وبإجمالي طرق طولها 80 كم.
 
والتساؤل المنطقي الآن يجب أن يدور حول إمكانية العودة السريعة إلى استخدامات القوى الناعمة بالدخول في مزيد من المشروعات الهندسية والصحية والتعليمية والثقافية.
 
وتحتاج دول عدة في إفريقيا إلى إقامة مشروعات بنية تحتية عملاقة من طرق وشبكات مياه وصرف صحي وكهرباء ونقل، يمكن للشركات المصرية المساهمة فيها.
 
لقد صدرت القاهرة في الخمسينيات والستينيات معظم ما تنتجه أستديوهاتها من أفلام، تدر أموالًا من جهة وتدعم النموذج المصري وطاقة الحنين والجاذبية إلى مصر من جهة أخرى، أما الآن فإن لجنة من كبار الفنانين لم تجد فيلمًا ترشحه لجوائز أوسكار لعام 2023، وأقرت اللجنة بأننا لم نتمكن من توزيع فيلم واحد هذا العام، هذه المساحة المهدرة من قوتنا الناعمة تتطلب العمل على فتح ملف السينما في مصر، للعودة إلى دور العرض، في ظل تفوق الفيلم الأمريكي والهندي والنيجيري.

وما ينطبق على السينما يتجلى كذلك في المسرح، الذي كان يجذب إلى القاهرة جمهورًا عربيًا واسعًا، وعلى الحفلات الغنائية المنتظمة للنجوم الكبار، وليس فقط في حفلات مهرجان الموسيقى العربية التي تقيمها الأوبرا في شهر نوفمبر من كل عام، في مناسبة استثنائية، واستغلال سنوات القاهرة في حياة المبعوثين العرب إليها للدراسة.
 
وربما نكون تقدمنا في الترتيب على لائحة المؤشر الدولي للقوى الناعمة، وآخر إحصاء منشور في هذا الصدد ويعود إلى عام 2021، فإن مصر تقدمت 15 مركزًا، وباتت في المركز الـ31، بعد أن كانت في المركز 38، من بين 87 دولة، وفي المركز الرابع عربيًا (المصدر: وزير المالية د. محمد معيط أمام المؤتمر الأول لإعادة صياغة العلامة التجارية المصرية).

وإذا كان العالم يهتم بهذا المؤشر من خلال الأرقام، فإن اهتمام مصر به يجب أن يجد نفسه في العناية بمنتجات هذه القوى، وللحق فإن نجاح مصر في تنظيم مؤتمر المناخ في شرم الشيخ، والافتتاح القريب للمتحف المصري الكبير، وبدء العمل من العاصمة الإدارية الجديدة، سيتقدم بمركز مصر وتأثيرها.
 
ويتأسس قياس مؤشر القوة الناعمة على: قوة الدولة، جودة الحياة، ريادة الأعمال، المغامرة، المواطنة، التأثير الثقافي، التراث، بيئة الأعمال.

إن 22 مليون ساعة عمل أنجزها 2500 مهندس وعامل لتنفيذ أعمال السد، أستاذ تخطيط عمراني يكشف أهمية مشروع سد تنزانيا وفي وقت قياسي، حيث تم وضع حجر الأساس للسد في 27 يوليو عام 2019، وتم الانتهاء من أعماله أخيرًا، وتم أيضًا مراعاة البعد البيئي.. وحسب الخبراء المصريين الذين شاركوا في بنائه فإن سد نيريري طوله 140 مترًا في حين أن السد العالي في أسوان يصل إلى 111 مترًا فقط.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة