راديو الاهرام

محكمة المياه فى فالنسيا.. كيف واجهت الأندلس نُدرة المياه خلال العصر الإسلامي؟ | صور

22-11-2022 | 14:25
محكمة المياه فى فالنسيا كيف واجهت الأندلس نُدرة المياه خلال العصر الإسلامي؟ | صور محكمة المياه في فالنسيا
أحمد عادل

كان شبح النُدرة المائية مسيطرًا على تفكير المسلمين خلال العصر الإسلامي، فمعظم بلدان العالم الإسلامي كانت تقع ضمن أقاليم هي الأكثر معاناة مع ندرة المياه، وفي الأندلس حيث ساد المسلمون لمدة ثمانية قرون شيدوا بها حاضرتهم الزاهرة، تطور الإطار التشريعي للمياه الذي كان يستند للسلطة القضائية وأحكام الفقه والفتاوى الدينية لتشكيل هيئة قضائية خاصة، ألا وهى محكمة المياه في مدينة بلنسية (فالنسيا) بشرق الأندلس.

موضوعات مقترحة

بدوره يقول المستعرب الإسباني في دراسته حول نظم الري في مدينة بلنسية:"لقد حول العرب بلنسية (فالنسيا) إلى بستان حقيقي، رغم أنها تقع داخل النطاق المناخي للبحر المتوسط شحيح الأمطار، لكنهم طوعوا مياه نهر توريا "الوادي الأبيض" ورَّوضوه بالسواقي حتى أحالوا المدن إلى جنات تجرى من تحتها الأنهار" .


محكمة المياه في فالنسيا

لقد أحدثت الحكومات المسلمة التي تعاقبت على بلنسية مشروعات مائية ضخمة في الفترة من الفتح الإسلامي وحتى سقوط بلنسية (711-1238م/92-636هـ)، حيث قامت بتخطيط المناطق الزراعية المحيطة بالمدن عبر شبكة إروائية متقنة، ما أدى إلى زيادة الإنتاجية البستانية هناك، حتى إن أول تقرير من وكالة البيئة الأوروبية قد حصر المناظر الطبيعية والبستانية وحددها  في ستة أماكن بأوروبا، وجعل اثنتان منها في إسبانيا بمدينتي بلنسية ومُرسية.

احتفلت إسبانيا عام 1960م بالذكرى الألفية لإنشاء هذه المحكمة التي تأسست في أواخر عام(350هـ/960م) بأوامر من الخليفة الأموي الحكم المستنصر(350-366هـ/961-977م)، وكان قاضيه على بلنسية آنذاك عبد الرحمن بن حبال، وفى الأول من أكتوبر عام 2009 م أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" محكمة المياه" التي أسسها العرب في بلنسية، شرق إسبانيا، والتي لا تزال تعمل حتى اليوم، على قائمة التراث العالمي الذي يجب المحافظة عليه.


محكمة المياه في فالنسيا

أُسست المحكمة لكي يتم توزيع المياه بشكل عادل بين الجميع، وتنظيم الزراعة والري، وقد قامت هذه المؤسسة المائية العريقة باعتماد كلى على نهر توريا الذي تم تقسيمه إلى ثمانية  قنوات "سواقى"،هى: ساقية مونكادة "Moncada"، وساقية طورماس"Tormas"K  وقناة راسكانيا""Rascana، وقناة ميستالة"Mestalla"، ومسلاتة""Mislata، وقناة فبارة "Fabara"، وقناة فيتمار"Faitamar"، وساقية قوارت "Cuart"، ساقية روبيةRobe""، وقناة بناتجر""Benatger

وتتألف هيئة المحكمة من ثمانية قضاة بعدد سواقي النهر، فهم وكلاء السواقي، والمكلفون بتوزيع المياه على المستفيدين، وينتخبون بالاقتراع العام من بين المرشحين من أصحاب الأراضي لمدة سنتين قابلتين للتجديد، ويشترط فيهم الخبرة والممارسة للنشاط الزراعي، وليست الملكية وحسب.


محكمة المياه في فالنسيا

أما رئيس المحكمة فيتم انتخابه من بين القضاة الثمانية المذكورين، ولابد أن تتوافر فيه عدة شروط، منها أن يكون ذا سمعة طيبة، ومعروفا بين المزارعين، وأن يكون صاحب أرض يفلحها بنفسه.

وتنعقد المحكمة كل خميس أمام باب الكاتدرائية "الذي كان مسجدا فيما مضى" لتفصل في قضايا المياه، ويقوم عادة الحارس الأكبر لكل ساقية بتقديم الدعوى بناءً على طلب المُدعى الذي يعتبر نفسه مظلوما فيقدم الاستدعاء، ويحضر المُدعى والمدعى عليه أمام المحكمة، ويجوز إحضار الشهود، والكشف عن الحوادث في المكان نفسه، وبعد تداول يجرى بصوت منخفض بين أعضاء المحكمة يُعلن الرئيس الحكم، وهو غير قابل للاستئناف.


محكمة المياه في فالنسيا

وحين سقطت بلنسية عام (636هـ/1238م) على يد ملك أراجون خايمى الأول أبقى على النُظم المائية التي طبقها المسلمون فيها، وعلى رأسها محكمة المياه، فقد ورث الإسبان الأرض عن المسلمين، وورثوا معها المنازعات على مناوبات الري، فقد كانت عملية تنظيم الري بالنسبة للمجتمع المسلم وسيلة لتوفير لقمة عيش المجتمعات الريفية في بساتين الضواحي عبر توجيه الإنتاج الزراعي إلى السوق، في حين كان ينظر المجتمع الإسبانى الجديد إلى الري باعتباره مفتاح زيادة المحاصيل، وهو ما يعنى في المقام الأول زيادة المحاصيل من أجل التسويق وارتفاع قيمة الإيجارات الزراعية لتدخل في خزائن الكونتات واللوردات.

ولاشك أن محكمة المياه بتنظيمها السابق إنما يستند إلى الروح العربية الإسلامية، التي أرست قواعد المشاركة، ونفى الضرر، وقد ذهب بعض المستعربين الإسبان - مثل خوليان ريبيرا - إلى عدم عروبة محكمة المياه، مستندين في ذلك إلى عدم إشارة أي من المصادر العربية إليها.  


محكمة المياه في فالنسيا

لكن هذا الأمر مردود عليه بما أورده ابن عذارى من إسناد الخليفة الأموي الحكم المستنصر لوكالة "السُقيا" ببلنسية إلى اثنين من الفتيان الصقالبة، هما مظفر ومبارك؛ وذلك لمراقبة نظم الري،  ويبدو أن هذه الوكالة كانت تُشرف على الري ومنشآته بالأندلس، إذْ نجد أن الخليفة الحَكم قد أمر بإصلاح قناطر الأندلس، فبدأ بقنطرة سرقسطة بشمال الأندلس، وذلك في عام (354هـ/965م)، وذكر ابن حزم في كتابه "طوق الحمامة في الألفة والآلاف" أن الخليفة قد أسند "خطبة الري" إلى الفقيه عبد الملك بن المنذر.


محكمة المياه في فالنسيا

محكمة المياه في فالنسيا

توزيع مياه الري من خلال السواقي في مدينة فالنسيا

توزيع مياه الري من خلال السواقي في مدينة فالنسيا

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة