راديو الاهرام
21-11-2022 | 13:18

باتت كوريا الشمالية "فزاعة" مخيفة تقض مضاجع القوى الكبرى والإقليمية في شمال شرق آسيا ومحيطها، بسبب تجاربها الصاروخية المتواصلة دون انقطاع، وبدت وكأنها ألعاب نارية تلهو بها "بيونج يانج" وقتما يعن لها ذلك، وتلوح بجدية وحزم باستغلال ترسانتها النووية المرعبة والمريعة ضد من تصنفهم بأعدائها.
 
ومما يُشجع الشطر الشمالي من شبه الجزيرة الكورية أكثر فأكثر على تحدى الجميع، وعدم الالتفات والاكتراث بتحذيرات وتهديدات المجتمع الدولي ومؤسساته، إيمانه القاطع واليقني بأن أمريكا وحلفاءها يتآمرون ويكيدون للإطاحة بنظامه الشيوعي، ومن ثم يحق له، وبلا نقاش، الدفاع عن نفسه بواسطة أسلحة الدمار الشامل، ويأخذ في اعتباره أن العقوبات الدولية المفروضة عليه، منذ عقود أخفقت في ردعه وإثنائه عن متابعة مسيرته لتطوير إمكاناته النووية والصاروخية.
 
هذه القدرات المتزايدة أصبحت تمثل تهديدًا وجوديًا خطيرًا لأمن واستقرار الجيران والمنطقة برمتها، وتشكل هاجسًا يوميًا بالمعنى الحرفي للجهتين، وتتعاظم الخطورة مع فشل الأسرة الدولية المروع في وقف البرنامجين النووي والصاروخي لكوريا الشمالية الخارجين كلية عن سيطرة ومراقبة المنظمات العالمية المعنية بالعمل على الحد من الانتشار النووي، ونقل التكنولوجيا المتصلة بهما لجهات ودول متمردة ومشاكسة للمهيمنين على النظام الدولي، وأولهم الولايات المتحدة والمتحالفون معها.
 
فنحن إزاء بلد تستهويه وبشغف يُحسد عليه سياسة حافة الهاوية، ومستعد بلا وجل لفتح أبواب "الجحيم النووي"، بعدما اتخذ قبل أسابيع قليلة قرارًا إستراتيجيًا بتحويل أسلحته النووية من خانة الردع للاستخدام الفعلي، إن استشعر تهديدًا يحيق بالنظام الحاكم، وعلى الجهة المقابلة يقف مجتمع دولي عاجز عن الفعل والضغط المؤثر، ولا يصدر عنه سوى إنذارات ونداءات لا تستقبلها آذان "بيونج يانج" المغلقة بإحكام، وشو استعراضي لمظاهر القوة من حاملات طائرات، وصواريخ حديثة، ومدفعية ثقيلة، ومقاتلات، ومناورات عسكرية مشتركة مع كوريا الجنوبية واليابان، ويبقى الطرفان أسيرين لهذا النمط دون أي تغيير.
 
السؤال المحير والمطروح الآن بإلحاح هو هل يمكن أن تستخدم كوريا الشمالية في لحظة جنونية أسلحة نووية ضد خصومها؟
 
الإجابة في الأغلب الأعم ستكون بالنفي، وهذا النفي يستند إلى جملة معطيات، يتصدرها أن كوريا الشمالية ستتأثر بشكل بالغ بالإشعاعات النووية الناتجة عنها، ولا تتوافر تحت يديها الاستعدادات والأدوات والمعدات المطلوبة الكفيلة بألا يتأثر بها جنودها وضباطها من ناحية، ومستشفياتها غير مجهزة من الأساس لعلاج المصابين جراء ضربة نووية من ناحية أخرى، وورقتها النووية والصاروخية ليست بعيدة عن يد الصين التى ربما طلبت من القيادة الكورية الشمالية إزعاج ومناكفة أمريكا في شبه الجزيرة الكورية لدعم الموقف الروسي في حربها مع أوكرانيا، واستنزافها ماليًا بتحملها تكاليف المناورات العسكرية، وتحريك قواتها، وحاملات طائراتها، وغيرها من الأسلحة والعتاد والقوات.
 
وذاك يقودنا لتساؤل آخر، حول السر خلف إصرار وتمسك بيونج يانج ببرنامجها النووي؟
 
الرد سيكون أن كوريا الشمالية تعاني من "فوبيا" العراق وليبيا اللذين تخليا عن برنامجيهما النووي، ودُمرا لاحقًا بيد الغرب، ولا تود أن تلقى مصيرهما، وترى أنها مستهدفة من أمريكا والغرب اللذين يحاولان القضاء على نظامها، وهو نظام لا يريد ولا يرغب في إدخال أي تغيير، ولو طفيف، على أسلوبه وطريقته في الحكم، كما فعلت الصين المجاورة التي سلكت درب التحول الاقتصادي إلى أن أضحت ثاني أكبر قوة اقتصادية عالمية بعدما أزاحت اليابان من هذه المرتبة، وأدخلت تعديلات على نظامها السياسي الذى احتفظ بهويته الشيوعية، غير أنها جددت شرايينه وأساليب إعداد كوادره إعدادًا يؤهلهم لتولي دفة الحكم، والتعاطي مع الأزمات بأسلوب مرن ومتقن، أما في حالة كوريا الشمالية فحديث التغيير من المحرمات الواجب الابتعاد عنها وعدم الخوض فيها، وهي غير واردة على أقل تقدير في المستقبل القريب، وما تسعى إليه "بيونج يانج" حقيقة للتخلص من هذه "الفوبيا"، أو التقليل من حدتها، هو الحصول على ضمانات أمنية مكتوبة من الولايات المتحدة بالامتناع عن الكيد لتقويض نظامها، واحترام إرادتها في اختيار ما يناسبها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
 
يلى ذلك سؤال عمن يقدر على التأثير على الحكومة الشيوعية بالشطر الشمالي، وكبح جماحها؟
 
إذا كانت ثمة دولة قادرة على صنع فارق حقيقي يقود لتسوية فعلية وعملية للأزمة النووية الكورية وإحداث نوع من الاستقرار والأمن في شبه الجزيرة الكورية فستكون الصين، لأنها أكبر شريك تجاري "لبيونج يانج" حتى الآن، ومصدر رئيسي لإمدادات الطاقة لها، ويمكنها التأثير بشدة على كوريا الشمالية من خلال وقف تدفق النفط إليها، وسبق لها في عامي 2013 و2014 أن أقدمت على هذه الخطوة عندما غضبت إثر إجراء "بيونج يانج" تجربة نووية جديدة، بالإضافة إلى إعدام "جانج سونج تيك" وهو عم الزعيم "كيم جونج أون" وحلقة الوصل الأساسية بين النظام الكوري الشمالي وبكين، لكن هذه الضغوط لم تستمر، نظرًا لخشية بكين من أن الضغط أكثر من اللازم على الشطر الشمالي قد يتسبب في انهيار النظام هناك، ويفتح الباب أمام تدفق اللاجئين إلى أراضيها.
 
علاوة على احتمال وصول القوات الأمريكية وحليفتها الكورية الجنوبية إلى حدودها مع الشطر الشمالي، وبطبيعة الحال ففي ظل مستوى العلاقات الأمريكية - الصينية الراهنة والتي يكتنفها التوتر الشديد، ومساندة بكين لموسكو في حربها ضد أوكرانيا فليس من مصلحة الصين مساعدة واشنطن من أجل تهدئة الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية، بل إن مصلحتها تتلخص فى شغلها بما يدور فيها.
 
أما الحل الآخر الأمثل للأزمة النووية الكورية فيكمن في إعادة توحيد شطري كوريا تحت لواء حكومة واحدة في سول، وحينئذ لن تشكل ترسانة الشطر الشمالى النووية أي تهديد للقوى الإقليمية في شمال شرق آسيا ولا للعالم، لأنها لن تصبح تحت سيطرة نظام منفلت ومتمرد على المجتمع الدولي، والأسس الحاكمة للعلاقات بين الدول، ولحين تحقق ذلك سيعاني العالم بمرارة وألم من "الفزاعة الكورية".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة