Close ad

عبدالرحمن الشرقاوي ونور الكلمة

19-11-2022 | 10:46

يجيد الإبداع تقدير من يخلص له؛ فيمنحه أوسع العطاء وأجمله وأدومه.

عبد الرحمن الشرقاوي أخلص للإبداع، وكانت حياته ثرية ومثمرة؛ فكان شاعرًا وكاتبًا مسرحيًا وصحفيًا وروائيًا وباحثًا جادًا مهتمًا بكشف الحقائق التاريخية، وكانت كلماته "نورًا" جميلًا يضيء لقارئه ويضيف إليه دوما..
اهتم بالأدب وبالثقافة "الحقيقية" وزيادة الوعي لديه وللقراء، وانشغل بالشأن العام في مصر والعالم العربي ولم ينغلق على محيطه الخاص، وشغل مناصب كثيرة منها سكرتير منظمة التضامن الأسيوي الأفريقي..
في قرية بمحافظة المنوفية كان ميلاده في 10نوفمبر 1921 وتوفي 10 نوفمبر 1987، بدأ القراءة مبكرا وأثر ذلك على تكوينه الثقافي وميله للمعرفة ولازمه طوال عمره؛ ولا شيء كالقراءة يوسع الأفق ويفسح المجال للمواهب لتنطلق ولا أحد يولد بلا موهبة..

احترم العلم وعرف مكانته "الحقيقية" في الدنيا وقال مقولته الصادقة والمتميزة: "فكر العالم يجعله أغنى ملك وملك الأرض بما فيها لا يُغني ملكا عن عالم"..

تعلم أولا في كُتاب القرية ثم بالمدرسة والتحق بكلية الحقوق، وكان يريد الدراسة بكلية الآداب ووافق على دراسة الحقوق تلبية لرغبة والده؛ الذي كان يريد لأولاده دراسة يمكنهم التحرر بعدها من قيود الوظيفة وأن يعملوا عملًا حرًا؛ إن لم تعجبهم الوظيفة مثل كليات الحقوق والطب والهندسة.

كان لخريج الحقوق عندئذ دورًا قياديًا في الحياة بمصر، وتخرج منها بعض عمالقة الأدب كأمير الشعراء أحمد شوقي..
كان الشرقاوي ذكيًا؛ فرأى مزايا دراسة الحقوق ولم يركز على التحاقه بها على غير رغبته؛ لإرضاء والده فقط، ولذا استفاد كثيرا من دراسة الحقوق وقال: "وجهتني للصدق الكامل في الكلمة نحو المعنى فالصيغة القانونية التي تعلمتها  ليس بها حشو ولا مبالغات وتتسم بالإيجاز والمنطق، وتعلمت الموقف من الحرية؛ فالقانون دفاع عن الحق وينظم حقوق الناس في المجتمع  ووسائل الدفاع الدفاع عن هذه الحقوق وعن الشرعية وفوائد أخرى، وأضاف: القانون هو أب بالنسبة لي..
ونرى أن كل من الصدق والإنحياز للحرية نعمة ثم "اختيار" شخصي وليس نابعًا من الدراسة فقط..
بعد تخرجه عمل بالمحاماة لبعض الوقت ولم يجد أحلامه بها وتركها ليعمل بالصحافة وانتقل في عدة صحف، وأهدانا إبداعات متميزة تنوعت بين الرواية ومنها رواية "الشوارع الخلفية" ورواية "الأرض"؛ وكانت أول رواية واقعية تغوص في الريف المصري وتقدمه بصدق وتكشف معيشة الفلاح بتفاصيلها الدقيقة وتحولت لفيلم سينمائي شهير.. 
لم يسجن نفسه كشاعر في دوائر الحب العادية "وطار" في براح الحب الشامل الوطن والإنسانية وكل ما هو نبيل بالحياة وكتب مطالبا بحق البسطاء الشرفاء في حياة أفضل..
كتب عن الجزائرية جميلة أبو حريد وكفاحها ضد الاحتلال الفرنسي لبلدها، وقدم كتبًا إسلامية مميزة منها محمد رسول الحرية وعلي إمام المتقين والفاروق عمر.

وتميز في الشعر ومنها قصيدة " رسالة أب مصري للرئيس ترومان "؛ وكانت موجهة للرئيس الأمريكي عندئذ وتنتقده في جرأة غير معتادة، وبرزت موهبته في المسرحيات الشعرية وعلى رأسها مسرحية "الحسين ثائرا" ومسرحية "الحسين شهيدا".

في المسرحتين عن الحسين يأخذنا الشرقاوي في رحلة صاغها بأسلوب الملاحم الشعرية بلغة قوية وعاطفة فياضة وقوة المنطق وفهم ووعي بطبيعة الحياة وحتمية الصراعات وحب واحترام لإنسانية الإنسان.

كتب الشرقاوي إهداء کتابه "الحسين شهيداً":
إلی ذکری أمي التي علمتني منذ طفولتي أن أحب الحسين، ذلك الحب الحزين الذي يخالطه الإعجاب والإكبار.
نرى هذا الحب في حروف وكلمات "الحسين ثائرا "و"الحسين شهيدا".

تمكن الشرقاوي من رسم الشخصيات ببراعة فريدة وانطق كل شخصية بما يلائمها نفسيا حتى جعلها تكاد تنبض بالحياة أمام القارئ..

يقول الشرقاوي على لسان الحسين

أتعرف ما معنى الكلمة
مفتاح الجنة في كلمة
دخول النار على كلمة
وقضاء الله هو كلمة
الكلمة نور
وبعض الكلمات قبور 
وبعض الكلمات قلاع شامخه يعتصم بها النبل البشري
الكلمة فرقان بين نبى وبغي
بالكلمة تنكشف الغمة

أهدانا الشرقاوي جوهر "روشتة" نجاحه؛ فقال: "يبلغ الإنسان ما عز عليه إن سعى فيما تمنى وصبر"؛ وهذا ما فعله فعاش طوال عمره يواصل السعي في "كل" المجالات التي اتقنها ونجح وتميز بها ولم يبعثر عمره فيما لا يفيده ولم يتعلق بما يعطله في الحياة، وقال في لقاء تليفزيوني عن كيفية الكتابة لديه: " تعود للإرادة والدافع الداخلي بعد الإلحاح داخله أنه يريد الكتابة وينظم وقته والطريقة التي سيكتب بها، وليست إرادة الكاتب وحدها تنتج العمل الفني أو الرواية وقديما كانوا يسمونه شيطان الشعر واسميه الجيشان في النفس الذي يدفعك للكتابة ويعطي إشارة للعقل وتتم عملية الكتابة بعد انفعال له نبض يدفع الإنسان ليكتب "إذا" امتلك الإرادة لتنظيم وقته..

احترم الشباب وشجعهم ونصحهم بحب فقال: "الجيل الجديد يجب ألا يكون بالعمر فقط بل بالأفكار الجديدة التي تحتاج لوقت كي تنضج"، وكان مدافعًا عن اللغة العربية ويطالب بالاهتمام بها لغة الثقافة وتوحد العرب..
امتلك الوعي فحدد أولوياته ومبادئه بالحياة "وأخلص" لها دوما؛ فقال: "إن يكن همك ما يدخل جوفك لم يكن قدرك إلا مثل ما يخرج منه"، وقال" ينبغي أن تكون فضائلك هي الأسوار المنيعة التي تحميك لا نقط الضعف فيك"؛ وهذا اعتراف "ذكي" بحتمية وجود نقط ضعف بنا لأننا بشر "ورفض" السماح لها بالسيطرة علينا..

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة