Close ad

أمريكا خارج السيطرة!

19-11-2022 | 10:27

 لأول مرة فى التاريخ الأمريكي تحظى انتخابات التجديد النصفى بمثل هذا الزخم، ويترتب عليها مثل هذا الكم من النتائج الاستثنائية! فعلى مدار تاريخها لم تمثل انتخابات الكونجرس النصفية سوى إجراء روتينى يتم بآلية إرهاصاً للانتخابات الرئاسية القادمة. فهى على الأكثر تمثل مؤشراً لاتجاهات البوصلة الشعبية نحو الديمقراطيين أو الجمهوريين. أما هذه المرة فقد اشرأبت الأعناق فى الداخل والخارج الأمريكي انتظاراً للنتائج التى لا أبالغ إذا قلت إنها قد تؤثر لا على مصير أمريكا وحدها بل على مصير قارات بأكملها!  
 
انقسام أم استقطاب؟
 العالم اليوم ، لا أمريكا وحدها، يعانى انقساماً واضحاً كاشفاً بين اليمين واليسار لا مجرد استقطاب.
 فمنذ سنوات شهدت مقاعد الرئاسة فى أوروبا وأمريكا صعوداً ملفتاً لليمين المتطرف والتكنوقراط، فما المشكلة؟ رئيس يذهب ويأتى آخر والمركب تسير. لكن الأمر لم يسِر بهذا اليسر، ودعونا نعود عدة سنوات قليلة للخلف فى لحظة تنصيب بايدن مقعد الرئاسة وكيف كان الانقسام المجتمعى بين أنصار ترامب والديمقراطيين، بل قل كيف كان القتال وسلسلة المظاهرات التى راح ضحيتها بعض منفذيها. فهل انتهى الانقسام بعدها أم بدأ؟
 فلنعد إلى اللحظة الحاضرة لنرى أثر ما حدث بالأمس هنا واليوم.. ترامب أعلن ترشحه لانتخابات الرئاسة 2024 ليعود على رأس السلطة، والانتخابات النصفية كانت فرصته الوحيدة لتهيئة الأجواء لمثل هذه القفزة الأخيرة. خاصةً وأنه تعرض مؤخراً لهجوم مكثف من الديمقراطيين بشكل قانونى تمثل فى سلسلة قضايا واتهامات ضده ما زالت قيد التحقيق.. أى أن انتخابات الكونجرس كانت بمثابة طوق النجاة لترامب وأنصاره من خلفه. وكان من المتوقع طبقاً للتوقعات القياسية لنبض الجماهير أن يتصدر الجمهوريون المشهد بفارق ضخم. وجاءت التوقعات قريبة من النتائج لكنها لم تتطابق تماماً، وهنا جاءت المعضلة..
 حقاً فاز الحزب الجمهورى على الديمقراطى لكنه فوز بطعم الهزيمة. وهنا مربط الفرس..
الإعلام الأمريكي على مدار أسابيع مضت أكد أن أمريكا مقبلة على"موجة حمراء" كاسحة بمعنى تقدم الحزب الجمهورى ذى الشارة الحمراء. والسبب أن بايدن تسبب بسياساته فى كوارث محققة لأمريكا، تتصدرها كارثة الاقتصاد الأمريكي الذى يواجه خطراً مهولاً بعد بلوغ نسبة التضخم 8% وارتفاع سعر البترول والسحب من احتياطيه وانخراط الجيش فى حرب مطولة مع الناتو وأوكرانيا ضد روسيا والمواجهة القائمة مع عدوه الجديد اللدود وهو التنين الصيني.
 
وعلى عكس التوقعات جاءت النتائج بين الحزبين المتناحرين قريبة للغاية وحسمها الجمهوريون بفارق ضئيل، حدث هذا رغم أن نسبة الإقبال جاءت فى أعلى مستوياتها تاريخيا. وفيما أرجع البعض السبب فى تلك المفارقة التى رفعت أسهم الديمقراطيين لدى الشعب الأمريكي رغم أدائهم المتواضع اقتصادياً وسياسياً إلى اهتمامهم بقضايا مجتمعية أخرى كالإجهاض والمناخ والعنصرية وحقوق الإنسان. بينما رأى البعض الأمر من زاوية أخرى بأن التصويت كان تصويتاً عقابياً ضد ترامب وهيمنته على الحزب الجمهورى. وهو ما رفع أسهم "رون دي سانتيس" حاكم فلوريدا فوق ترامب كمنافس له على زعامة الحزب الأحمر. السبب الأخير هو الأرجح لاسيما وأن المرشحين الجمهوريين الذين هُزموا هم مَن تبنوا نظرية المؤامرة بأن الانتخابات الرئاسية تم تزويرها لصالح بايدن وتسببوا فى الانقسام المجتمعى بدعاواهم . أى أن الشعب الأمريكى فى مجمله رافض لحالة الانقسام تلك ويخشى تبعاتها.
بايدن .. والهروب للأمام 
 رغم النتائج المتذبذبة وتفسيراتها المتضاربة تظل هناك كتلة من الشعب الأمريكي متهورة مندفعة ذات نزعة ترامبية متطرفة تدعو لاقتناص الهيمنة اقتناصاً وترفض الاعتراف بالهزيمة. بينما يقاوم بايدن هذه النزعات بالهروب للأمام، وبتوجيه بؤرة الصراع لخارج الحدود. لهذا تأتى تصريحاته المتكررة لتؤكد أولويات الاستراتيجيات الكونية لبلاده، وأن صراعه الحالى هو صراع وجودى ضد الصين التى يري أنها تريد انتزاع صولجان زعامة العالم من يديه!
فى ذات الوقت يستغل بايدن تلك الذريعة للضغط على الكونجرس من أجل تمويل حملة تهدف لاستعادة القيم الأمريكية عبر تعزيز مبدأ "منافسة استراتيجية لتشكيل مستقبل النظام الدولي" في مواجهة ما يفرضه ظهور الصين وروسيا من تحديات لواشنطن. وهى السياسة التى بدت واضحة فى تصريحات مستشار الأمن القومي جيك سوليفان للصحفيين القائلة: "من الأهمية بمكان تحديد التحديات التي تفرضها الصين قبل فوات الأوان، وإذا فقدنا الفرصة في هذا العقد الزمني فلن نكون قادرين على مواكبة ذلك".

مثل هذا التوجه أفرز وثيقة رسمية تشرح استراتيجية الأمن القومى الأمريكى وتكشف حقيقة جاهزية القوات عسكرياً. والأهم أنها تهدف لتحقيق "الردع المتكامل" من خلال تعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية للبلاد. يدخل فى هذا الإطار تزويد حلفائها بحزمة متميزة من التقنيات العسكرية والسيبرانية والاستخباراتية والاقتصادية لتقوية شوكة حلفها أمام الحلف الشرقى الصينى الروسي والذى يضم معه إيران وكوريا الشمالية.
 
الوثيقة لم تجامل أمريكا وجيشها، بل استندت لطائفة من الأبحاث والدراسات المتشددة كدراسة مؤسسة "هاريتاج" التى بثتها وسائل الإعلام وأكدت فى أبرز نتائجها أن " أوضاع القوات العسكرية الأمريكية تواجه مخاطر متزايدة من ناحية عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها للدفاع عن المصالح الحيوية الأمريكية!"؛ بمعنى أن قدرات الجيش الأمريكي ليست بالمدى الهوليودى الخرافى الذى نتصوره. وانتقدت الدراسة سلاح الجو الأميركي الذي تميّز بقدراته وعقيدته سابقا، والآن يصنّف بأنه "بالغ الضعف" بالقياس لقدرات العدو. كما تعرّض سلاح البحرية للتصنيف الضعيف بعدما شهد أوجه في مراحل سابقة، وبسط سيطرته العالمية قديماً، واستثنت الدراسة سلاح المارينز أو مشاة البحرية.          

ثم قفزت الدراسة، في صيغتها المعلنة لتنذر بخطر داهم يهدد الأمن الوطني والسلم الأهلي يمثله "الإرهاب الداخلي"، وتزايد مضطرد في حوادث إطلاق النار على مدنيين عزّل، وخصوصاً طلبة المدارس العمومية، كما أشارت إلى ما تبناه صقور الحزبين الحاكمين من اعتبار "داعش وتنظيم الدولة" خطراً يهدد الأمن القومى الأمريكي، وهو ما قد يؤدى فيما بعد لتوسيع رقعة الحضور العسكرى فى الشرق الأوسط.
مهمة الكونجرس القادمة
 هكذا انسحبت أولوية الاقتصاد الأمريكي طبقاً لهذا التقرير وغيره إلى ما يمكن تسميته باقتصاد الحرب..
 إن القاسم المشترك في تقييم الدراسة المعتمدة رسمياً هو إعداد العامة لتقبل تخصيص مزيد من الميزانيات لشئون فروع القوات المسلحة، وتجاهل متطلبات تحديث البنى التحتية المنهارة، على الرغم من الوعود الانتخابية بمعالجتها وإعادة ترميمها. وبررت ذلك بالقول إن الأوضاع الراهنة مقلقة نتيجة “الاستخدام المستمر للأسلحة، وتقليص الميزانيات المطلوبة، وعدم دقة تحديد الأولويات الدفاعية، والتحولات المتسارعة التي تطرأ على السياسات الأمنية، وغياب الصرامة والجدية في أركان مؤسسة الأمن الوطني”.
 
معنى هذا أن التوجه الأعظم فى سياسات التمويل الأمريكي موجهة لا للداخل الأمريكي بل لتعزيز القدرات العسكرية بشكل سريع ومتنامى لمواجهة التحديات الخارجية والأخطار المحدقة لاسيما وأن الحرب الروسية الأمريكية تبدو ممتدة الأفق. وأن التنين الصينى لا يبدو عليه التسرع فى مسايرة الفخ الأمريكي بالتورط فى حرب عاجلة بل هو أكثر حصافة وأشد لؤماً من الدب الروسي الذى تسرع بالانخراط فى حرب لم يكن مستعداً لتداعياتها.
 الخطر الأكبر على أمريكا هو الوضع الداخلى المتداعى. والذى لم يعد الآن من أولويات الكونجرس طبقاً لهذا التقرير الخطير حول أولويات الأمن القومى الأمريكي. فهل يصمد الداخل الأمريكي حتى تنتهى الحرب؟

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة