Close ad

إلى متى يظل التضخم مؤرقًا؟

12-11-2022 | 18:15

مع بداية ظاهرة التضخم العالمية غير المسبوقة والتي وصفها المتفائلون في البداية على أنها طفرة تضخمية عالمية عابرة وهذا كان توصيفهم للظاهرة، لكن بمرور الأيام وجد أن ارتفاع الأسعار أصبح أكثر تشددًا وتقلبًا مما كان متوقعًا، ومع تزايد الجهود العالمية والمحلية المبذولة لكبح ارتفاع الأسعار إلا أننا لاحظنا أن العديد من العوامل التضخمية تتجاوز قدرة سلطة نقدية واحدة منفردة. 
 
علينا ان نعي ان التضخم أصبح عدوًا شرسًا يحتاج أدوات وآليات جماعية من قبل المستهلكين والشركات والمستثمرين؛ لأنه بات من الواضح وفق المؤشرات العالمية الحالية أن آثار التضخم تمتد لتؤثر على الاقتصاد العالمي لسنوات (محتملة) قادمة.
 
فلا تزال التوقعات الاقتصادية متفائلة بشأن المستوى المستقبلي للتضخم: وهي شهادة على الثقة المحفوظة في قدرة محافظي البنوك المركزية على سحق ظاهرة التضخم، ومع ذلك، يمكن أن تتغير هذه التوقعات وبسرعة، مما يؤدي إلى خروج هذه التوقعات السائدة بشكل واضح عن الواقع الذي افترضه واضعو السياسة النقدية حول العالم، فبدلًا من العودة إلى الاتجاه السابق والمتمثل في زيادات الأسعار بنسب ضعيفة على أساس سنوي، سيكون للاقتصاد العالمي نموذج جديد ولفترة غير معلومة وسيشهد العالم غالبًا حالة تضخم أساسية أعلى وأكثر تقلبًا من هذه التوقعات المتفائلة، حيث شهد العالم فترة طويلة من الزيادات السعرية الضعيفة - المدعومة هيكليًا بالتكامل الاقتصادي العالمي المتزايد والتقدم التكنولوجي والتركيبة السكانية المواتية - التي تمتع بها المستهلكون والشركات والمستثمرون حول العالم، لكن بدأت الأسعار في الارتفاع في عام 2021 مع خروج البلدان من الإغلاق، بعد أن دفعت مدفوعات تحفيز فيروس كورونا المستجد كوفيد-19، وبدأت الأسعار تقفز بشكل غير طبيعي في عام 2021، وقفز طلب المستهلك بسبب الطلب المكبوت جراء فترة الوباء؛ وهذا دفع النشاط الاقتصادي إلى الأمام؛ لذا وصف المتفائلون في البداية الارتفاع التضخمي الناتج بأنه عابر ومؤقت، إلا أن هذا لم يتحقق واستمرت زيادات الأسعار حتى الآن وبشكل غير مسبوق واشد حدة.
 
بحلول يونيو 2022، بلغ التضخم في الولايات المتحدة 8.6٪، وهو أعلى مستوى في 40 عامًا. وفي الوقت نفسه، بلغ معدل التضخم في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي 10.9٪ في سبتمبر 2022. في تركيا، بلغ التضخم المجدول رسميًا 54.8٪ في الربع الأول من عام 2022، بينما تشير الحسابات غير الرسمية إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم. والقائمة تطول ومنها مصر التي وصل فيها معدل التضخم إلى 15.3%، في حين تواصل الحكومة المصرية، تحركاتها لاحتواء موجة التضخم التي تشهدها البلاد منذ بداية العام الحالي، كشفت بيانات رسمية حديثة، أن التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية سجل أعلى مستوياته في نحو أربعة أعوام، كما سجل معدل التضـخم السنوي لإجمالي الجمهورية مستوى 15.3 في المئة، مقارنة بنحو 8 في المئة للشهر نفسه من العام السابق.
 
ردًا على ذلك، قامت البنوك المركزية الرئيسية - بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، من بين معظم البنوك الأخرى - برفع أسعار الفائدة لإبطاء التوسع الاقتصادي وكبح جماح التضخم. في حين أن هناك بعض علامات اعتدال في الأسعار الناجم عن تباطؤ الطلب الكلي - على سبيل المثال، انخفض سعر خام برنت بنسبة 25٪ منذ مارس – إلا أن تظل مؤشرات الأسعار عبر المناطق والصناعات مرتفعة بشكل غير مقبول، ومع ذلك، فإن بعض أسواق الأصول الأكثر أهمية في العالم قد استندت إلى حد كبير لبراعة وفعالية قدرات البنك المركزي لمكافحة التضخم، مما فتح المجال لتوقع مستويات منخفضة من التضخم في المستقبل. بفضل السياسة النقدية المدروسة جيدًا وبشكل استثنائي، من المتوقع أن نشهد مستوى انكماش اقتصادي متواضع بدلًا من ركود عميق والعودة إلى سياسة نقدية أكثر تيسيرًا في عام 2023، وقد تكون مثل هذه التوقعات المتفائلة سابقة لأوانها.
 
علي نحو متزايد، يشير الخبراء إلى أن الأسعار المرتفعة قد تكون أكثر تشددًا وتقلبًا مما كان متوقعًا، لهذا السبب، أعلنت أحدث توقعات كبار الاقتصاديين الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن هذا التوقيت على مستوى العالم يوصف بأنه "وقت خطر اقتصادي كبير"، وقد أشارت بعض التوقعات إلى أن التضخم المرتفع المستدام قد يمثل عبئًا كبيرًا على المستهلكين - وخاصة المجتمعات ذات الدخل المنخفض - لأنه يعمل في صورة ضريبة تنازلية، مما يلحق الضرر بالأسر ذات الدخل المنخفض وبشكل غير متناسب.
 
والسؤال الآن هل عاد التضخم ليبقى؟
 
تعد المجتمعات منخفضة الدخل أكثر عرضة للكساد الاقتصادي بسبب معدلات الادخار المنخفضة وانعدام الأمن الوظيفي، على سبيل المثال، إذا لم يتحقق سيناريو القوالب الذهبية للتضخم الآجل بنسبة 2٪ تقريبًا والركود الضحل في الولايات المتحدة، فسيضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى الاستمرار في رفع الأسعار، مما يؤدي إلى انخفاض الطلب الكلي، وتقليص فرص العمل، وتفاقم أزمات القدرة على تحمل التكاليف الملحوظة بالفعل، مثل تلك التي شوهدت في أسواق الإسكان. أيضا توجد نفس الديناميكيات على مستوى العالم كما هو موضح في تحليل حديث لأحد خبراء الاقتصاد في العالم والذي يشير فيه إلى أنه بات على الدول مع حالة التضخم المستمر والواسع النطاق، أن تستمر في سياسة التشديد النقدي، حتى على حساب الركود الأعمق و/ أو تصحيح السوق.
 
وهناك عوامل إضافية تزيد من تعقيد دور محافظي البنوك المركزية في السيطرة على التضخم، حيث تتجاوز هذه العوامل تفويض أي سلطة نقدية واحدة في أي دولة. وتشمل هذه التحديات سلسلة التوريد الناجمة عن عمليات الإغلاق في الصين، ونقص الغذاء المرتبط بتغير المناخ، والروابط بين ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، والتغيرات الديموغرافية مثل شيخوخة السكان، وإعادة التوطين ودعم الأصدقاء، و"التضخم الأخضر"، وتقليص النفقات أو العزل في الصين. قسوة هذه التحديات قد توفر ثقلًا غير مرحب به لاستمرار الضغوط التضخمية العالمية. في الواقع، قد يستغرق الأمر مدة زمنية أطول من قبل البنوك المركزية حول العالم لمحو هذا التضخم الاستثنائي.
 
ربما سيثبت المتفائلون أنهم مستبصرون، وسيعود العالم إلى بيئة النمو الحقيقي المتواضع للذاكرة الحديثة مع تقلب في الأسعار تحت السيطرة وبشكل جيد. ومع ذلك، إذا كان التاريخ هو أي دليل، فمطلوب من المستهلكين والشركات والمستثمرين الاستعداد لأوقات أقل وضوحا وأقل قابلية للتنبؤ بها في المستقبل. إذا كان هناك اختلاف بين خبراء الاقتصاد المتفائلين والمتشائمين، يظل البحث عن إستراتيجية واضحة للسيطرة على ظاهرة التضخم مسئولية أكبر لمحافظي البنك المركزي وصندوق النقد الدولي وكافة المؤسسات المالية العالمية، بالإضافة إلى وعي حقيقي من المستثمرين ورجال الأعمال ـ والأهم المستهلكون - للبحث عن سبل جديدة للتعامل مع ظاهرة ارتفاع الأسعار، بل قد يستدعي الأمر عقد مؤتمر عالمي بين دول العالم لتحديد الأدوار الخاصة بكل طرف في إزالة ومنع آثار التضخم من التأثير السلبي على البشرية.
 
* عميد كلية التجارة جامعة القاهرة

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة