Close ad
9-11-2022 | 12:12

ظاهريًا، يبدو الملياردير الأمريكي المشاغب "إيلون ماسك"، كمغامر منفلت العيار يلعب بنار توشك أن تحرقه من منبت شعره، حتى أخمص قدميه، ولا يبالي، منذ استحواذه على موقع التواصل الاجتماعي " تويتر"، باتخاذه قرارات وإصداره فرمانات شديدة القسوة والشطط والسرعة، منها الاستغناء عن نصف الموظفين بالموقع دفعة واحدة، وأن مَنْ يرغب في العلامة الزرقاء من مسخدميه عليه دفع المقابل، الذي يراه بخسًا زهيدًا – ٨ دولارات -، ولم يأبه بانسحاب ثلة من المشاهير والشخصيات العامة بإغلاقهم حساباتهم على "تويتر"، احتجاجًا على ما يفعله فيه من مراجعات للمحتوى، ويقابل باستهجان وامتعاض بالغين منهم ومنِ ملايين المستخدمين في بقاع الأرض المترامية الأطراف.

بل إن البعض روج لفكرة أن "تويتر" سيلفظ أنفاسه الأخيرة على يد مالكه المغامر في القريب العاجل، وأنه يجب على المستخدمين البحث عن بديل يتوافق مع متطلباتهم في إبداء آرائهم بحرية كاملة دون تدخل أو رقابة من أحد، فهم يبحثون عن فضاء رحب يخلو من المحاذير والممنوعات والقواعد الاسترشادية الواجب اتباعها واحترامها، لكي تمر تغريداتهم وتدويناتهم بسلام ويسر بلا عقبات وقيود، وياحبذا لو مارسوا ما يظنونه حريتهم متخفين وراء حسابات وهمية، لنشر شائعات، ومعلومات مغلوطة، ودعوات تخريب وفوضى بالأوطان.

لكنك إن تمهلت ونظرت للصورة من مسافة قريبة سوف تتضح أمامك معالمها وملامحها الحقيقية أكثر فأكثر، وتتيقن من أن "ماسك" ليس طائشًا ولا أرعن، ويحسب خطواته بدقة متناهية، وبميزان حساس، وأن ما يقوم به يتسق اتساقًا تامًا مع شخصيته المشاكسة وغير التقليدية، وأن عملية "التنظيف الشاملة" التي يجريها في "تويتر" ليست سوى جزء من لعبة سياسية معقدة، والمعني بها الساحة الداخلية الأمريكية في المقام الأول والأخير، حتى لو سجل لها ارتدادات خارجية هنا وهناك.

فعند إخضاعك شخصية "ماسك" للتحليل الدقيق والمحايد، فإنك ستخرج بثلاث صفات تميزه وتشكل أنماط تفكيره، وهي إجادته دور المشاغب والمقامر الذي لا يخشى المواجهات والمعارك حامية الوطيس والصاخبة، فالمغامرة بالنسبة له أسلوب حياة لا يستغني عنه البتة، وأضحت علامة تجارية له، أما الصفة الثانية فتخص قدرته الفائقة كرجل أعمال على التسويق لمشروعاته واستثماراته الغريبة والمرتبطة خصوصًا بالمستقبليات والتقنيات الحديثة، وبطرق وأساليب غير معهودة، لجني مليارات الدولارات كعوائد منها، والصفة الثالثة تأثره بتوجهاته السياسية التي تجعله طرفًا أساسيًا في الصراعات المشتعلة بين جناحي السياسة الأمريكية، وهما الحزبان الديمقراطي والجمهوري.
 
وكرجل أعمال في عالم الرأسمالية الأمريكية غير الرحيمة فإن الربح هو البوصلة الموجهة لسكناته وحركاته، وهو يود وقف نزيف خسائر "تويتر"، وتعظيم الاستفادة منه وجذب مزيد من المعلنين للمنصة، والبقاء في سوق المنافسة الشرسة بين منصات التواصل الاجتماعي، من خلال إعادة هيكلتها، في وقت وصلت فيه المعاناة الاقتصادية إلى ذروتها، بسبب وباء كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية غير المعروف متى سيسدل الستار عليها.
 
ونحن نقف أمام كيان عملاق، هو "تويتر" المسجل عليه ١،٣ مليار حساب عالميًا، و٢١١ مليون مستخدم نشط يوميًا، و٥٠٠ مليون تغريدة في اليوم الواحد، و٣٥٠ ألف تغريدة كل دقيقة، و٧٧،٧ مليون مستخدم بالولايات المتحدة وحدها، ويعمل بالمنصة آلاف الأشخاص بأمريكا وخارجها، ومفهوم الاستغناء لوقف نزيف الخسارة من الإجراءات المعمول بها أمريكيًا وغربيًا وبلا مقدمات وتمهيد ومراعاة للجوانب الإنسانية.

والقصد ليس الدفاع عما اتخذه "ماسك" بقدر ما هو بيان وتشخيص عملي للوضع على الأرض، لأنه في التوقيت نفسه تحدثت تقارير صحفية أمريكية عن اعتزام مجموعة "ميتا" الشركة الأم لموقعي "فيس بوك" و"إنستجرام" التي يعمل بها نحو ٨٧ ألف شخص تسريح آلاف الموظفين في غضون الأيام القليلة المقبلة، بينما أعلنت مجموعتان في "سيليكون فالي"، هما "سترايب"، و"ليفت" تسريح عدد كبير من موظفيهما، فيما جمدت شركة "أمازون" التوظيف، فهذا توجه عام كما نرى وليس مقصورًا على "تويتر" فقط.
 
الأمر الثاني، أن ما يدور من غربلة وتمحيص في "تويتر" له بعده السياسي المحض والواضح، إذ أن "ماسك" أعلن بجلاء وبلا مواربة دعمه الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي والمتوقع أن يحرز فوزًا مريحًا فيها أمام خصمه اللدود الحزب الديمقراطي، ودعا الناخبين للتصويت للجمهوريين، وكلنا يعلم موقف الجمهوريين من تويتر سابقًا، وأنه كان منحازًا بسفور لخصومه السياسيين، وألغى حساب الرئيس الجمهوري السابق "دونالد ترامب" المرجح أن يخوض السباق الرئاسي في ٢٠٢٤.
 
ولوحظ أن من أوائل الأشياء التي أقدم عليها "ماسك" إقالة مجلس الإدارة وكبار المسئولين في "تويتر" الذين اتهموا خلال إدارة " ترامب" السابقة بأنهم ضد الجمهوريين ويشوهون صورتهم، ويضيقون الخناق على تغريداتهم ومشاركتهم على المنصة، والآن لم يعد هؤلاء بموقع القيادة وسوف يتمتعون بهامش حركة أوسع مما مضى، بالإضافة إلى أن مالكها من الداعمين والمتحمسين لهم، وبمقاييس البيزنس وثيق الصلة بعالم السياسة وكواليسه فإن "ماسك" يوجه نظره لبعيد، حينما يسيطر الجمهوريون على السلطة واختيار الرئيس القادم من بين صفوفهم، ويحين موعد سداد الفواتير للمؤيدين المخلصين، فهكذا تدار الأمور بمعيار المصالح والمنافع المتبادلة.
 
ودعونا نتفق على أن مسألة حذف الحسابات الوهمية، ومراجعة المحتوى بحيث يكون متنوعًا من حيث وجهات النظر المعروضة في القضايا المختلفة تعد من الإيجابيات، لأن مَنْ يتخفى يُضمر شرًا وسوءًا وفسادًا، ويزيد مساحات الفوضويين والمخربين والمحرضين والإرهابيين والعنصريين، فماسك جاء "لتويتر" بأجندة سياسية واقتصادية محددة وعازم بكل جوارحه على تنفيذها مهما كلفه ذلك من مشقة واتهامات.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة