Close ad

وفي قلوبنا متسع للمزيد

8-11-2022 | 15:54
الأهرام المسائي نقلاً عن

لقد بذلت جهدًا كبيرًا في الماضي، كنت أقسم كل نهار على أنني من هؤلاء الأشد حظًا في الحياة وفي المساء أعُد إخفاقاتي ورهاناتي الخاسرة فيها، أتظاهر بعدم الانهزام وحين أنظر في عيني أرى بكل سهولة آثار هزائم لم تنمح وكأنها راسخة في قلبي منذ آلاف السنين، ومازال في قلبي متسع للمزيد، لكثير من الأمل، والحكايات البائسة.

تطارد اليأس سنوات وسنوات فلا ينتبه لك أحد، وعند لحظة يأس واحدة يتحدث الجميع عن ضعفك، تقاوم الانهيار بكل ما أوتيت، وعند لحظة سقوط واحدة يُقسمون برب الكون كم كانت حوائط روحك ضعيفة إلى أبعد حد، وأنت الذي تحملت إلى نهايات كل حد، وبعض المساوئ ليس لها حد، وما أسوأ قلوب البعض.

تخشى أن تقر بمتاعبك، وفي نفس الوقت يُرهقك كتمانها، تقول أشياء عديدة غير التي تريد قولها، تعتقد خاطئًا أن الكلمات تُخفي ما يهرب منه البشر، وفي قلبك خواء يملئه الحيرة، تُحزنك أمور بسيطة، أشياء تافهة، تحاول أن تجعلها تبدو فقط كسبب منطقي لما تخفيه من حقائق أخرى، تُحزنك أمور بسيطة، وتجاهد كي تبدو غير ذلك، تبذل طاقة كُبرى كي تبدو عاديًا، فقط عاديًا.

تدافع عن حماقات لم ترتكبها، تدفع ثمن أشياء لم تفعلها، تقاتل في معارك لست طرفًا فيها من الأساس، تلاحقك أشياء عديدة ولا تدرك لها سببًا منطقيًا؛ لا تدرك السبب تمامًا، تجيد أحيانًا اختيار الأذى بعناية، وأشياء كثيرة ضدك كان في وقت ما من بينها نفسك.

ينسحب الجميع عند لحظة ما واحدًا تلو الآخر وتبقى وحيدًا، تقاوم؛ تقاتل؛ تتكئ على ما تبقى بك من قوة، على كل ما تبقى من أمل، لا تنسى كل الخيبات والانكسارات، وتبحث دائمًا عن ممر للعبور والتخطي، تودع الأشياء والأشخاص وتدعي اللامبالاة، تتذكر كل تفاصيل الأمس، وتتظاهر بالنسيان، بانطواء كل ما فات، وبداخلك تسكن كل العهود والوعود، والبدايات، والنهايات، والذاكرة أحيانًا؛ أو ربما دائمًا مُتعبة.

تجد نفسك فجأة داخل متاهة تتلخص كل أمنياتك عندها هو أن تعود كما كنت، متاهة تدور فيها بكل ما أوتيت من تفكير باحثًا عن إجابة مُقنعة لسؤال: متى أصبحت كذلك؟، باحثًا عن سبيل للعودة،عن سبيل للخلاص، تحاول فقط الخروج بأقل قدر من الأذى، وتكتشف أنك كنت تفقد جزءًا من روحك عند كل إجبار خاطئ لها، عند كل احتياج صادق تخليت عنه أو هربت منه، تكتشف أنك كنت تفقد جزءًا منك عند كل خطوة بعدت فيها عن نفسك وأنت تدري خطورة ما تفعل، وتتجاهل؛ وهذا أسوأ ما في الأمر.

تبني وعودًا زائفة تُكبل قلبك بأذى إضافي، تُكابر بأنك لم تنهزم وقلبك مليئاً بالخسارة، تسلك طرقًا تقول إنها للبُعد وتقترب بها ألف خطوة، وكم نحن مساكين يا صديقي ولا نجيد حتى الادعاء.

وفي هذا كله لا سبيل لنا غير أن نواصل، نستكمل الرحلة بما تحمله من متاعب ومصاعب وارتياح، ندرك بيقين كامل أن الحياة درب من التضارب، نقيضان يكملان بعضهما البعض، انخفاض وتصاعد، تخلي وبقاء نعي بهما الأماكن الحقيقية للأشياء والأشخاص، نعي بهما الحقائق والأوهام.

إن في قلوبنا متسعًا للمزيد، للصدمات التي نصل بها للغد أكثر ثباتًا، والتخلي الذي يجعلنا أكثر وعيًا، في قلوبنا مُتسعًا للمزيد مهما طالت المسافات، والانكسار قد يكون سبيل للقوة، والخيبات قد تكون سبيل للوعي، والحياة بأكملها منعطفات لا سبيل لنا غير السعي فيها، مهما زادت المصاعب والمتاعب وأسباب الدهشة والأسى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
وائل نيل يكتب: المفاتيح التي فقدتها

المفاتيح هي أكثر الأشياء التي لا أؤتمن عليها، ولا أحفظ لها بقاءً مهما حاولت، وكم من باب كسرته بفعل ذلك مع كل مفتاح أفقده.

وائل نيل يكتب: عمر وفاتن .. وألزهايمر الذي لا يُنسى

كانت بداية معرفة عمر الشريف بفاتن حمامة بعد أن تعذر مشاركة شكري سرحان في بطولة فيلم صراع في الوادي ، ليحل عمر الشريف في أول ظهور له بديلاً عنه، وبعد مرور

وائل نيل يكتب: في ديسمبر لا تنتهي الأحلام

نسير في عرض الحياة وطولها، نتعثر يومًا ونمضي آخر، نضعف يومًا، ونقوى آخر، ندرك مع كل محطاتنا أن الحياة مراحل، تمامًا كما العمر، ولا شيء في تلك المراحل يبدو

وائل نيل يكتب: منعطفات العمر والأيام

لم تؤرقنا متاعب الهزائم بقدر ما أتعبتنا الصدمات، صدمات التخلي، والبقاء وحيدين عند نقطة الهزيمة، أن تلتفت فلا تجد أحدًا، أن يهرب الجميع حتى هذا الذي كنت

وائل نيل يكتب: مكاسب الرحلة

لم تكن النهاية دائمًا بالشكل الذي أريده، كم مرة وددت أشكال أخرى لنهايات أكثر منطقية، أكثر عدلاً، لم تكن النهايات بالشكل الذي توقعته لكنها علمتني أن بعض

وائل نيل يكتب: حكمة الوقت المناسب

الوقت المناسب.. مفهوم عصي على الفهم والتفسيرات المنطقية، نقف أمامه بمحاولات استيعاب، لماذا حدث هذا كله في ذلك الوقت تحديدًا؟ لماذا ظهرت أمامي تلك الجملة؟

عندما تفرق الثانية

اعتدت كثيرًا سماع "لن تفرق الثانية"، ولن تفرق الثانية فعلاً في كل أحداثنا العادية، لكنها ستفرق وتفرق جدًا في مواضع أخرى، تفرق لمن تركناه خلف حدود الاشتياق،