Close ad

قمة المناخ الثانية بعد كورونا

5-11-2022 | 10:10

تستضيف مصر بمدينة شرم الشيخ مؤتمر المناخ العالمى COP27 فى دورته السابعة والعشرين، والثانية بعد الحظر العالمى بسبب وباء كورونا، حيث أُلغي المؤتمر فى 2020، وتمت إقامته فى 2021 فى جلاسكو بالمملكة المتحدة. 

والأيام تتدانى وتقترب بالعالم لإقامة المؤتمر الذى يعتبر أهم المؤتمرات كلها؛ إذ يمثل تبلوراً لخلاصة إفرازات القمم السابقة، كما يمثل تحدياً هائلاً أمام دول العالم المتقدم؛ لتنفيذ ما تعهدت به تجاه ما اقترفته من جرائم بيئية على مدى عشرات السنين، حتى وصل حال المناخ إلى ما نراه من تدهور يستحق تضافر سائر الجهود الدولية من أجل تلافى آثاره أو التخفف منها.. فلماذا يُعتبر هذا المؤتمر هو الأهم بين جميع المؤتمرات التى سبقته؟

العالم يعانى
  لقد أعلنت الأمم المتحدة خلال اليوم العالمى للحد من الكوارث أرقاماً مفزعة للكوارث الطبيعية عام 2021؛ إذ حدثت خلاله نحو 432 كارثة ذات صلة بالأخطار الطبيعية، وارتبط ما يقارب نصفها بالفيضانات، وقد تسببت هذه الكوارث فى خسائر اقتصادية قدرت بحوالى 252 مليار دولار أمريكى! مثل هذا الرقم يقل بنحو الربع عما تعهدت الدول الكبري بتقديمه للدول النامية حول العالم للحد من آثار الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية. وفى حين أكدت الأرقام أن الكوارث الطبيعية المناخية تسببت فى كوارث اقتصادية هائلة خلال عام واحد تزيد على كل ما تعهدت به الدول المتقدمة فى كل مؤتمراتها المنعقدة منذ عام 1995 وحتى اليوم بلا طائل، فإننا نشهد اليوم إصراراً من تلك الدول جميعها على الاستمرار فى سياسات الإفساد المتعمد والتخريب الدائم للطبيعة وللمناخ من تجريف للتربة وإبادة للغابات وأطنان الانبعاثات السامة من المصانع، فهل ستصمت الطبيعة عما يحيق بها من تدمير طال أمده؟!
  
قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى اليوم العالمى للحد من الكوارث تبنى سياسة جديدة ستستغرق خمسة أعوام لتنفيذها؛ وهى الخاصة بتأسيس مراكز متقدمة للإنذار المبكر؛ لأن الأبحاث العلمية الممتدة أكدت قدرة الإنذارات المبكرة على تقليل الأضرار الناجمة عن الكارثة بنسبة تصل إلى 30%. 

والحقيقة أن الأمم المتحدة والعالم خلفها يهرولون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من آثار تسبب فيها الإنسان تحت دعوى التقدم الصناعى والتكنولوجى، فأفسد أمامه الحرث والنسل وأهلك الثمر والشجر وأهاج البحار وخرب الطقس وثقب الأوزون فكان من جراء ذلك ما شهدناه خلال العامين السابقين من كوارث طبيعية وانقلابات مناخية غير مسبوقة على مدار التاريخ!

ثمة تقارير إحصائية أشارت إلى أن الفترة بين عامى 2021 و2022 شهدت تحطيماً مخيفاً للأرقام القياسية لحدوث الكوارث الطبيعية بمختلف أنحاء العالم. وذكرت تلك التقارير أن النصف الأول من عام 2022 شهد سلسلة من الفيضانات والأعاصير والزلازل وموجات الجفاف هى الأسوأ منذ عقود راح ضحيتها نحو 6347 قتيلًا وخلفت آلاف الجرحى وتسببت فى خسائر مادية واقتصادية وصلت لنحو 72 مليار دولار! فماذا ننتظر لنحاول تدارك ما أفسدناه على مر قرون التقدم الصناعى والتكنولوجى الذى وعدنا بالرفاهية ثم دمر الأرض والسماء.
  أوروبا اليوم باتت تسعى بخطى حثيثة لإنفاذ توصيات الأمم المتحدة الخاصة بالمناخ لاسيما وقد ذاقت الأمرّين خلال شهور الصيف العصيبة، إذ ارتفعت الحرارة بأوروبا لدرجات قياسية وجفت الأنهار الكبرى كنهر الراين والتايمز ولوار بألمانيا وبريطانيا وفرنسا وحتى نهر الفرات بالعراق وأنهار أمريكا الشمالية، جفافاً أرعبهم مما رأوه من ظواهر غير مسبوقة كهلاك المواشى وظهور حجارة الجوع الأثرية وانكشاف القيعان وما بها من سفن وقنابل مطمورة منذ الحرب العالمية الثانية. كل هذا يجعل لقمة المناخ الآنية أهمية خاصة.

عالم اليوم.. بين كورونا والتهديد النووى
لا يبدو أن العالم اتعظ من كل تلك الكوارث، ولا أفاد شيئاً من خطاياه ..

فلم يمر عام على الموجة السادسة لجائحة كورونا التى أنهكت البلاد شعوبا وحكومات إلا وقرر العالم أن يدخل فى كارثة من صنعه هى كارثة الحرب الروسية الأوكرانية التى امتدت وتفاقمت حتى بات التهديد النووى من جرائها وشيكاً جداً. تلك الدول التى تسببت فى إشعال الحرب هم ضيوف الغد القريب على قمة المناخ! ولسوف تقوم وفودهم بالدعوة الجوفاء لإصلاح المناخ والإنذار المبكر لتقلباته! فماذا عن الإنذار النووى المبكر؟ هل ستقوم الدولة التى تبدأ أولاً بتفجير قنبلة نووية بإنذار مبكر لمن تسقط على رؤوسهم؟

فى قمة كوبنهاجن للمناخ التى أقيمت عام 2009 تعهد الموقعون على الاتفاقية المبرمة فى نهايتها على ضخ مليارات الدولارات لمساعدة البلدان الفقيرة والدول النامية من أجل التعامل مع تأثير تغير المناخ؛ ولم يكن هذا القرار منحة أو هبة تُعطى لتلك الدول، بل هى بمثابة اعتذار رسمى من الدول المتقدمة على ما تسببت فيه مصانعهم ومعاملهم وحروبهم من كوارث بيئية مدمرة، ولأنهم يخشون إن أصلحوا هم من ناحية تأتى تلك الدول الفقيرة بمشاكلها البيئية المتفاقمة فيفسدون ما أصلحوا؛ إنهم يريدون أن يسير العالم على هواهم وعلى أنغام أوركسترا تقودها الأمم المتحدة وممنوع أن تأتى نغمة نشاز من هنا أو هناك. ولهذا فقد قرروا إنفاق المليارات للتأكد من انضباط الأوركسترا البيئى السيمفونى حتى مع أفقر وأضعف دولة من دول العالم. فهل سينجحون فى هذا؟ 
الواقع والتجربة يؤكدان صعوبة الأمر؛ أولاً لأن المبلغ المخصص سنوياً قليل وإن بدا ضخماً للوهلة الأولى، وهو مبلغ مائتى مليار دولار، فماذا يفعل مثل هذا المبلغ الذى تنفقه أمريكا فى شهر أمام معضلة بهذه الضخامة؟ 

إننا أمام معضلة تواجه 197 دولة مشاركة فى المؤتمر وعدد من المشكلات الكبرى التى تمس المياه والطاقة والزراعة والصناعة فى مساحات شاسعة لا يمكن حصرها، وانبعاثات حرارية مهلكة لا يمكن إيقافها. 

ربما لهذا السبب جاءت قمة جلاسكو الأخيرة بمفاجأة أخرى هى أن عدداً من الشركات العالمية الكبرى بلغ عددها حوالى 500 شركة تعهدت جميعها بتخصيص مبلغ يصل إلى 130 تريليون دولار كاستثمارات تتوافق مع أهداف قمة المناخ المنصوص عليها منذ قمة باريس الموقعة فى 2015، أفلحوا إن صدقوا!

رسالة مصر فى القمة 27
 جائحة كورونا أعطتنا درساً لا يُنسى.. فربما نتذكر كيف أن وكالات الإعلام فى مختلف أنحاء العالم تغنت بنبأ هام انتظرناه على مدار عشرات الأعوام هو أن ثقب الأوزون اختفى، فبعد صمت هدير المصانع وتوقف عوادم السيارات لعدة شهور فقط صفا الجو وتبددت الغيوم وانقشعت غمامة الدخان فانتهزت طبقات السماء العليا الفرصة لترتق ثقب الأوزون وتعيده سليماً كما كان قبل عصر الصناعة! 

رسالة مصر هى العودة لاحترام الطبيعة والاهتمام بالإجراءات الوقائية دون الخطوات الإصلاحية التى لا تغنى شيئاً.

لهذا السبب تعمل مصر تحت قيادة الرئيس السيسي على اعتراف الدول الكبرى بمسئولياتها تجاه الانقلابات المناخية القائمة، لاسيما أن تلك الدول اعترفت أن البلدان النامية هي الأكثر تضرراً من جراء التغير المناخي، وفى مصر هناك أضرار كارثية قد تحيق بأهم رافد من روافد الاقتصاد وهو الزراعة ومن قبلها المياه؛ بسبب كوارث الدول الصناعية، وسيكون الوفاء باحتياجات هذه الدول نقطة محورية في مفاوضات قمة هذا العام.

فالمنطق يقول إن الدول الكبرى يقع على كاهلها واجب التصدى لما أفسدوه على مدى قرون طويلة، بينما تساهم هذه الدول بنصيب متواضع جداً من الأموال إذا قيس بحجم الخسائر التى تسببوا فيها على مدار عقود طويلة؛ بل والخسائر البشرية الهائلة والضحايا من البشر والأنعام كل عام، لهذا ستدعو مصر الدول الغنية الوفاء بتعهدها بتقديم 100 مليار دولار سنوياً لمساعدتها في التأقلم مع التغير المناخي، وهو مبلغ زهيد للغاية لا يتناسب بحال مع قيمة ما أفسدوه، كما ستطالب مصر تلك الدول بالاعتراف بالأضرار والخسائر التي تسببوا في حدوثها، وليس أولها ارتفاع منسوب مياه البحر، ولا آخرها الفيضانات المتكررة.
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة