Close ad

الحزن بين انكسارات الواقع وفلسفة المخرج

3-11-2022 | 19:26

حينما تحفر لحظات الحزن نقوشها على جدار الروح بقلم من السكين والنار، فإن القلم يستمد لهيبه من أوجاع القلب ورعشات النفس ورجفات الفؤاد، فأنت تقابل الفقير والمحروم، فتجده متأففًا ساخطًا يحمل على أكتافه أثقال الهم والشجن، وتسمع إليه وهو يفيض في وصف ما ابتلي به، فيتوجع قلبك لبلواه، وتقابل ثريًا يتقلب في ألوان الترف والنعيم، فتعتقد أنه هادئ النفس وادع البال، وما إن تنصت إليه حتى يفاجئك بأعباء ثقيلة من الهم والأسى، فله من وساوسه المتلاحقة شبح يؤرق نفسه ويحجب عنه الراحة والاستقرار، فتعلم حينئذ أن الحزن ديمقراطي النزعة والتوجه، يتسلل إلى الأكواخ المتضائلة، مثلما يتسلق إلى القصور الفارهة دون حذر أو رحمة، ومع استمرار تدفق الحياة في الحياة، فما يزال طائر الحزن يمارس دورته محلقًا فوق رؤوس الأشقياء بزمانهم الذي لا يسقي الماء ولا يدعه يهطل.
 
لم يكن الشيطان وحده رمز الشر والهبوط في هذا العالم المتناقض قولًا وفعلًا حركة واتجاهًا، لكن ثمة شيطانًا آخر أشد قبحًا، هو المال إذا انحرف، والجاه إذا تجاوز، والجنس إذا اعتدى، والقبح إذا ساد، والغباء إذا تجسد، والفتنة إذا شاعت، والتحلل إذا تربع، والكفر إذا تبجح، ومن قدر الإنسان على هذه الأرض أن يستقوى ببعض المال، وأن يعتصم ببعض الجاه، وأن يعيش الجنس، وأن يرى الجمال والقبح، وأن يدرك الفطنة والغباء، وأن يشهد التماسك والتحلل، وأن يعاصر اليقين والكفر، ومن ثم ألقت به الاقدار في مواجهة تيار عاصف، حيث هو مطالب بأن يجعل من المال وسيلة لا هدفًا، ومن الجاه عدالة لا تعديًا، ومن الجنس طهارة لا رجسًا، ومن تقابل الأضداد في الجمال والقبح، والفطنة والغباء، والتماسك والتحلل، واليقين والكفر جدلًا يفضي سيئه إلى حسنه، وهابطه إلى عاليه، حتى ينطفئ منطق شيطان الدنيا، وهذا هو مركز المكابدة والشقاء حين يحيا هذه الجدلية واقعًا، وأمامه الصوت المادي لشيطان الدنيا، ممن اكتست أجسادهم بلحوم الضعفاء، ورددوا هتافاتهم زيفًا وزورًا، وبنوا صروحهم على جثث الأشقياء، وزينوا واجهاتها بدماء الأبرياء، لكنها الأيام حينما تمعن في البطش بمن لا حول لهم ولا قوة.
 
تشاهد المحزونين فتأسى لوجوههم الشاحبة، وكل إنسان قد طاف به وقت كريه، فأتعب خاطره، ومرر الطعام الهانئ في فمه، وأنا اتفق مع من يرون أن الألم والحرمان والاضطهاد أسباب قوية مهدت للنوابغ طرق التألق والسطوع، ولو خلت حياتهم مما يكدر ويؤلم، ما سطع إلهامهم في إبداع معجز أو اختراع مذهل، لكنني في الوقت ذاته أتساءل وأجيب، هل استفاد جميع المحزونين من أشجانهم الموجعة، فأظهروا مكنون المواهب والكفاءات؟ لو كان الأمر كذلك لأصبحت الأحزان أماني يسعى إليها كل الناس!!
 
إن ميدان الهموم فسيح ممتد، وما من شخص إلا وأصيب في نفسه أو ماله أو أهله، فقد رُويت عن الإسكندر المقدوني قصة إن فاتها صدق الواقع، فلن يفوتها مغزى الأسطورة ودلالة التوجيه، ذكروا أن الإسكندر أوصى والدته أن تدعو الناس بعد وفاته ليوم يجتمعون فيه على الطعام والشراب وألوان السرور، ليكون مأتمًا بهيجًا مرحًا على غير عادة الناس، شريطة ألا يحضر العزاء أحد أصابته مصيبة، حتى لا يكدر صفو الحاضرين، أو يطفئ وهج المشهد، فلما توفي الابن، ونفذت الأم الوصية بكل مفرداتها، لم تجد أحدًا اقترب من ساحة العزاء، فسألت في دهشة واستنكار، ما بال الناس تخلوا عنا مع كل ما قدمناه لهم؟ فقيل لها: إنك أمرتِ ألا يوافيكِ أحد أصابته مصيبة، وكل الناس تعساء مصابون، فعرفت أن الإسكندر أحسن تعزيتها، وخفف مصابها بما أوصى به، لينكشف عن عينها غطاء الحزن في ولدها وشمس عمرها التي غربت في وضح النهار.
 
هذا، ومع اشتباك الإنسان بواقعه وبقائه سجين آلامه وأحزانه حاولت كل الفلسفات والمذاهب البشرية أن تقدم حلولًا من أي لون، لكنها باءت بالإحباط والفشل، ووقفت عاجزة أمام طموح الاجتماع الإنساني، ورغبته في إطار شمولي يحقق كافة نوازعه، ويهدهد على وجدانه الكسير، ويهبه نوعًا من الأمن والسلام في هذا العالم المليء بتحديات الخوف والبطش، ومحاولات التهميش والاقتلاع، حاولت الوثنية القديمة والحديثة أن تقدم الحل فتعرَّت عن عجزها الذاتي الذي فشل حتى في مجرد الحفاظ على هيبتها في نفوس سادتها.
 
وحاولت المزدكية، والزرادشتية، والمانوية، أن تقدم الحل، فانكشفت محاولاتها البائسة عن جهد بشري قاصر، لا يستطيع سوى امتصاص لذات إنسانية رخيصة، أو الإحالة على قوى مخلوقة لتأليهها، وهكذا ظلت خيطًا مفتولًا من غير نسيج أو معنى، وحاولت الشيوعية هي الأخرى أن تحاصر في الإنسان همومه وأحزانه، فتركت وراءها عالمًا متصحرًا تحكمه الضرورة من جهة والصراع الدامي بين الطبقات من جهة أخرى، وعلقت راياتها الزائفة رمزًا لمرحلة من مراحل التاريخ الساقط، نفت فيه الإله، فنفت الإنسان في وجود وحشي بلا أي مصابيح هادية، وحددت إقامته جبرًا في وجوده الزماني، ففقد بذلك أروع أشواق روحه، وأنضر مساحات أمله، وحفرت بينه وبين حس الخلود بئرًا مظلمًا بلا قاع، وكذلك فعلت الرأسمالية، فعطلت في الإنسان طموحه، وكثفت همومه في مجتمع طبقي عبودي بقانون سالب غير مرئي، وظلت الرأسمالية نهمًا تاريخيًا قبيح الوجه إلى مستوى التشويه، ونفس الأمر فعلته الوجودية، فأغرقت رأسها في الرمال دون أن تقدم رغيفًا في يد جائع، أو كساءً على أكتاف عريان، وظلت مجرد غياب في مطلق الكلام.
 
هكذا صارت النفعية منطقًا وموئلًا لصنف من البشر يؤثر السلامة على كل شيء حتى لو كان هذا الشيء هو دينه وإيمانه، فهذا الصنف في خيمة الإيمان ما دام مستظلًا بأمن المواطنة ورغد العيش واستنزاف الآخرين، فإذا تعكر صفو الحياة، وواجه بعضًا من تحديات المعادلة الكونية المتشابكة، وطولب على مستوى الإنسان الحر أن يخوض تجربة التضحية والعطاء، تحول إلى كائن فارغ من المضمون، مهزوم من الداخل، متربص بكل القيم، حتى تواتيه الفرصة، ليعبر مخاض التجربة إلى شواطئ الأنانية وشراهة الذات.
 
ومن ثم ظلت الساحة متعطشة إلى صنف تتجسد فيه بطولة الموقف ورجولة الحركة وفدائية الاندفاع، ممن على أكتافه ينهض بناء الحركة الباسمة، وتكتمل دورة التاريخ الفدائي، ولهذا فإن المال والجاه والأنثى وحدهم جنة الفارغين الذين اعتادوا أن يعيشوا مستطيعين بغيرهم لا بأنفسهم، واعتادوا أن يعيشوا هذه اللذات العارضة في ولاء لا نهائي للغريزة والأنا.
 
ومع تداخل وارتطام هذه المذاهب الأرضية، لم يكن من الغريب أن ينقلب على قيمها الوضعية بعض مفكريها، ويرفض أن يجاريها في عزل الإنسان عن هداية السماء، ولعل الفيلسوف الفرنسي المعاصر "روجيه جارودي" أقرب الأمثلة على صحوة الضمير الإنساني المتمرد على هشاشة هذه الفلسفات التي خاطبت التاريخ الإنساني من منظور كونه تاريخ معدة وجسد، لا تاريخ روح وبناء كوني، حيث أفاق "جارودي" على أن الإسلام هو البناء الإلهي المتكامل الذي يربي في إنسانه ثقافة الروح ومنارة التطلع، ويبارك فيه جسارة الفكر والعقل، ويصل به إلى جسور الحب بين الخلق والخالق، ويقر بفساد الأرض والسماء لو كان فيهما آلهة إلا الله.
 
ومن ثم كان تعاطف السماء بهذا الإنسان المبتلى بتطلعاته ورغباته، والمستضعف أمام مشاعره وعواطفه، لإضاءة وجدانه من ناحية، والنظر إلى فؤاده الموجوع بعين الرحمة من ناحية أخرى، فها هو النص الخالد، القرآن الكريم يمد يد العطف على ضعف الإنسان وانكساراته، فيذكره بما هو أضعف من ذلك، فمن أوجده من اللاشيء قادر على أن يستولد له الممكن من رحم المستحيل، وذلك ساعة يلمس في وجدانه مناطق الإثارة بكلمات تضيء آلافًا من المسافات في قوله تعالى "أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا" وهكذا يفيض التعبير القرآني إيحاءً وتعاطفًا وحبًا بلا حدود، إنه يتجول في قلبه وكيانه، كأنما يستعطفه ويسترضيه، ويأتي صوت النبوة مكملًا هتافات السماء، ففي الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده، أن أبا بكر رضي الله عنه سأل رسول الله "صلى الله عليه وسلم" عن قول الله تعالى "لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ" وقال ومن منا لم يعمل سوءًا، فكيف الخلاص يا رسول الله، فقال النبي "صلى الله عليه وسلم": "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تحزن؟ ألست تمرض؟ فهذا ما تجزون به، وإن ذاك بذاك".
 
* مدرس بكلية اللغات والترجمة بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
صورة الوعي الجمالي في النقد الموسيقي عند أشرف عبدالرحمن

لقد تضافرت الظواهر الكونية على إحداث تشكيلات موسيقية تشدو بها الطبيعة وتترنم، مرددةً سيمفونية مسافرة في رحلة الكينونة والوجود، سيمفونية يتلقي عنها الإنسان

السياسة الخارجية لمصر في فكر الرئيس

كان وجود الرئيس عبدالفتاح السيسي متسقًا مع اللحظة الفارقة والحرجة التي خرجت فيها الجموع المصرية باحثة عن رمز يلبي تطلعاتها الرافضة للممارسات السياسية والانحرافات

الأكثر قراءة