Close ad

الموهوبون.. مبتلون!

5-11-2022 | 10:16

يحاول البعض الربط بين الموهبة والجنون، وبين الموهبة والخروج عن النسق الطبيعي لحياة شخصية ما حققت شهرة، أو نجاحات على مستويات كبيرة، بل يكاد فلاسفة وعلماء الربط بشكل وثيق بين العبقرية والجنون، من منطلق أن العبقري يتصف بصفات تمنحه قدرات غير عادية تجعل من يراقبون أو يعيشون بالقرب منه أن يصفونه من كثرة مواقفه وأفعاله ومنتجه الفريد أنه مجنون.. وهنا لا يفسر الجنون بأنه فعل سلبي، بل فعل إيجابي.
 
 يقال بأن هذا المطرب أو الملحن أو الكاتب، أو الممثل، أو الرسام، أو.. في مهن كثيرة، عبقري، لأنه قدم شيئًا بديعًا، "موهوب"، والموهبة نتاج عبقرية، وفي تعريف للعبقرية أنها "من يتمتع بقدر عالٍ من الذكاء يساعده على تحقيق منجزات عملية باهرة في حقل من الحقول، لديه قدرة على التفكير والعمل في مجالات لم تستكشف من قبل"، وهذا المفهوم هو الذي أكده العالم البريطاني السير فرنسيس جولتون.
 
ولكن لماذا يبتلى الموهوبون، سواء بالأمراض، أو الإدمان، أو التشتت والتفكك الأسري، فلو عدنا إلى مسارات بعض الموهوبين في مصر منذ مائة عام وأكثر سنكتشف بأن في حياة معظم الموهوبين كوارث، قد يكون الإدمان أحد أهم تلك الكوارث، قد تسمع عن موسيقي أدمن "الحشيش" أو ملحنٍ كبيرٍ عاش حياته العاطفية مشتتًا، لم يترك وراءه سوى إبداعه، أو ممثلٍ موهوبًا دخل السجن في جريمة تعاطي، أو مطربة تحاكى العالم بصوتها تبتلى بالإدمان.. هناك عشرات الأسئلة التي تفرض نفسها دائمًا حال وقوع أزمة لموهوب في مجاله.
 
وهنا أيضًا يصبح السؤال أليس الموهوب ذكيًا، وواعيًا أكثر من غيره بأمور حياته، أم أن موهبة الأداء والإنتاج؛ سواء كان فنيًا أو غير ذلك ليس لها علاقة بالذكاء الفطري الذي نولد به، ومن خلاله نعرف ما يضر وينفع، ونقيس به نسب الأبيض في الأسود والعكس.
 
كان العرب قديمًا يعتقدون بأن الموهوب، أو العبقري، وبخاصة في الشعر، لديه قرين من الجن يوحي بالشعر إلى صاحبه؛ حيث جعلوا لكل شاعر كبير جنيًا يوحي إليه بالشعر، وكانوا يظنون أن هؤلاء الجن يسكنون في وادي عبقر، فأصبحت كلمة العبقرية تطلق على كل من يبدع شيئًا في مجال الشعر.
 
وفي الفنون كلها يرى البعض في المبدع نوعًا من الجنون، ويربطونه بالإلهام فيقال إن له إلهامًا خاصًا به، وما زاد من ربط البعض بين العبقرية والجنون، أو خروجهم عن النسق الطبيعي للحياة، وتصرفاتهم التي تدمر حياتهم عادة، وجود نماذج كثيرة من العباقرة وصفوا بالمجانين، وأنهم كانوا يعانون من الاضطرابات النفسية مثل فينسنت فان جوخ، توركواتو تاسو، جوناثان سويفت، جون فوربس ناش، إرنست همنجواي.
 
ولا أعتقد بأن ما يعاني منه بعض فنانينا في مصر من جنون في تصرفاتهم، وتعرض حياتهم للشائعات والتشهير، والإدمان، ناتج عن عبقريتهم، أو موهبتهم الفائقة، بل لأنهم يمرون بمراحل صعبة، قد يكون أحدهم خرج من قاع المجتمع ووصل إلى القمة فأصبح يرى نفسه في الهواء الطلق، يحلق كيفما يشاء فيصاب بلوثة، يرى العالم كله في كفة وهو وحده يحلق طليقًا يفعل ما يشاء، يلجأ إلى تجربة كل ما هو غير طبيعي، دون النظر إلى المجتمع أو كم سيفقد جراء تصرفه.
 
دهشت من تعبير لإحدى الفنانات، عندما علمت بأن مطربة ما في أزمة وتعرضت لموقف قاس، قالت "كلنا عشنا التجربة.. لكن لم تطفُ مشاكلنا على السطح"، وهو ما يؤكد الاعتقاد بأن الموهبة إذا لم يهتم بها صاحبها ويثق في قدرته على أن يحيطها بسياج من حديد؛ حتى لا يقتحمها الحاقدون عليه، سيصبح يومًا ما بلا موهبة.

كلمات البحث
الأكثر قراءة