Close ad

أن تفقد جميع ذكرياتك

1-11-2022 | 15:19
الأهرام المسائي نقلاً عن

دون فهم للتكرار وعلى مدار سنوات يحدث من آن لآخر أن تحدث مشكلة في هاتفي يكون حلها الوحيد أن يعود كما جاء أول مرة، بلا أسماء؛ بلا صور؛ بلا تفاصيل ولا ذكريات. 

الاختلاف هو أنني تلك المرة الأخيرة تقبلت ذلك برحابة شديدة، لم أشعر بكل مشاعر الضيق التي عشتها في المرات الماضية، لم تنتابني حسرة الماضي، وتفاصيل ما ضاع، لا أستطيع أن أقول اعتدت الفقدان للأشياء والأشخاص، فكل هؤلاء الذين اعتادوا الفقدان يشعرون بنغزة في القلب عند كل مرة كانوا يقسمون قبلها ألف قسم على التعود، وتنسى عند نقاط الودع قلوبهم كل الوعود التي قطعوها أمام أنفسهم، طبيعة بشرية إن راوغها أحدهم في مرة ونجح، لا يضمن نجاحه في مراوغاته الأتية. 

سأعاود بناء ذكريات جديدة، لكن ربما لن أنسى ما فات؛ مؤكد لن أنسى ما فات، سأبحث جاهدًا عن بقايا وبعض مما مضى، أتمسك بكل تفاصيل ربما تركتها في زوايا أخرى، وبعض ذكرياتنا يكون فقداننا لها ليس فيما يتعلق بالذاكرة بل فيما يتعلق بوجودها أمام أعيننا فقط، فنحفظها في قلوبنا وكل تفاصيل أرواحنا، وفي هذا بعض من الأذى، نطوي صفحات الأيام وتبقى تفاصيلها مفتوحة في قلوبنا، نفارق وجود أحدهم ولا يفارق وجوده في قلوبنا، نغادر بعض الأماكن ولا تغادرنا.

وكم من ذكريات عصية؛ التصقت بكل تفصيلة في عقولنا، بكل تفصيلة في الشوارع والأحاديث، والأحلام، والأيام، نتعايش، نتخطى، وللأيام حكمة وتأثير ودواء من حدة المتاعب وأسى الأمس، وبعض الذكريات تكون كل زادنا من الرحلة، كل ما تبقى، يكون إجمالي أملنا عند نقطة ما فقط شيء نتذكره بعد انتهاء رحلة نعرف جيدًا أنها لن تستمر طويلاً، شيئًا نتذكره ونبتسم رغم ما نحمله من حزن خفي.

الذكريات جزء من دائرة الحياة المنطقية، جزء من مسارات حياتنا، نحاول جاهدين ألا نزيد على أنفسنا منها ما يرهقنا، ولا ننجو بهذا دائمًا، ومن قابلته في طريق عابر ربما يحمل حكاية لم تعبر من قلبه بسهولة، وفي أعين الناس الشغف، والحزن، والألم، والانتصار، وبقايا الانهزام، وفي كل قلب ذكرى، تفاصيل عن الأمس؛ عن الرحلة والطريق.

تعلمنا الذكريات بمنطقية أكثر، ندرك بها بإثباتات إضافية معنى المراحل، تترك بنا علامات ودلالات، قبل أن نتجه تدريجيًا إلى حيز التأقلم، والتعلم مما فات؛ ولدى البعض قد يعودأحيانًا كل شيء ببساطة شديدة إلى الذاكرة عند نقطة ما.

نحن دائمًا في خوف مستمر، خوف غير مُعلن، خوف لن ينتهي إلا مع انتهاء وجودنا، خوف من انفلات ما نريد من أيادينا، من كل ما يحمله مرور السنين، من الفقدان، والغياب، والمواقف التي تبقى رغم الزمن في قلوبنا، لتشكل مع كل تجعيدة في وجوهنا حكاية، قصة كنا نتمنى لو كملت، حكايات كنّا نهرب منها، أمنيات تاهت مننا، نعيد الشريط، ونقف بتعجب؛ نكتشف كم الأشياء والناس التي خسرناها في الرحلة، نبتسم بنبض متوتر ونكمل الطريق.


تعبر كل الأيام مُسرعة، ويعبر من فيها، تنقضي الحكايات، ولا ينقضي ما كان فيها، نفقد كل يوم بعض من تفاصيلنا الدقيقة، من أحلامنا، وحكاياتنا، وربما بعض من ذكرياتنا، ننسى يومًا ونتناسى الآخر، ويمر كل شيء.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
وائل نيل يكتب: المفاتيح التي فقدتها

المفاتيح هي أكثر الأشياء التي لا أؤتمن عليها، ولا أحفظ لها بقاءً مهما حاولت، وكم من باب كسرته بفعل ذلك مع كل مفتاح أفقده.

وائل نيل يكتب: عمر وفاتن .. وألزهايمر الذي لا يُنسى

كانت بداية معرفة عمر الشريف بفاتن حمامة بعد أن تعذر مشاركة شكري سرحان في بطولة فيلم صراع في الوادي ، ليحل عمر الشريف في أول ظهور له بديلاً عنه، وبعد مرور

وائل نيل يكتب: في ديسمبر لا تنتهي الأحلام

نسير في عرض الحياة وطولها، نتعثر يومًا ونمضي آخر، نضعف يومًا، ونقوى آخر، ندرك مع كل محطاتنا أن الحياة مراحل، تمامًا كما العمر، ولا شيء في تلك المراحل يبدو

وائل نيل يكتب: منعطفات العمر والأيام

لم تؤرقنا متاعب الهزائم بقدر ما أتعبتنا الصدمات، صدمات التخلي، والبقاء وحيدين عند نقطة الهزيمة، أن تلتفت فلا تجد أحدًا، أن يهرب الجميع حتى هذا الذي كنت

وائل نيل يكتب: مكاسب الرحلة

لم تكن النهاية دائمًا بالشكل الذي أريده، كم مرة وددت أشكال أخرى لنهايات أكثر منطقية، أكثر عدلاً، لم تكن النهايات بالشكل الذي توقعته لكنها علمتني أن بعض

وائل نيل يكتب: حكمة الوقت المناسب

الوقت المناسب.. مفهوم عصي على الفهم والتفسيرات المنطقية، نقف أمامه بمحاولات استيعاب، لماذا حدث هذا كله في ذلك الوقت تحديدًا؟ لماذا ظهرت أمامي تلك الجملة؟

عندما تفرق الثانية

اعتدت كثيرًا سماع "لن تفرق الثانية"، ولن تفرق الثانية فعلاً في كل أحداثنا العادية، لكنها ستفرق وتفرق جدًا في مواضع أخرى، تفرق لمن تركناه خلف حدود الاشتياق،

الأكثر قراءة