Close ad

طوق النجاة من الموت الخَفي.. مصر تنتشل مواطنيها من الأمراض النفسية وكهوف الانتكاسات

27-10-2022 | 18:52
طوق النجاة من الموت الخَفي مصر تنتشل مواطنيها من الأمراض النفسية وكهوف الانتكاساتالصحة النفسية
داليا عطية

في الوقت الذي تسير غالبية الدول في درب مكافحة فيروس كورونا الذي لا يزال مثيرًا للقلق في مجتمعاتها، بينما تسير دول أخرى في درب معالجة الاقتصاد الذي ضربته الحرب الروسية الأوكرانية، فتأثرت صناعات واستثمارات واستراتيجيات تأثيرًا سلبيًا انعكس بلا شك على المواطنين، تشق مصر دربًا جديدا للصحة النفسية، وليست بجديدة هذه النظرة المستقبلية على دولة كانت من أوائل الدول التي تصدت لجائحة كورونا بإعداد وتجهيز المستشفيات والمراكز الطبية، وتوفير مستلزمات الوقاية من الفيروس التي لم تتردد في تصديرها لدول كبرى – كانت تعاني نقصها – لكن مصر كانت تُصدِّر تلك المستلزمات دعمًا ومساندة لهذه الدول في محنتها، وليس تجارةً أو استثمارًا في الأزمة، وحاشاها أم الدنيا أن تكون ذلك فَشِيَمها العطاء، والاحتواء.

موضوعات مقترحة

ودرب الصحة النفسية الذي تشقّه مصر حاليًا، بما يتناسب وإستراتيجيتها التي تعزم تطبيقها قريبًا، يأتي عاكسًا لنظرة المسئول الحالي حول المصريين، ومستقبلهم، الذي لن يصل إلى الجودة المنشودة إلا في ظل صحة نفسية جيدة، وإن كان رأس مال الفلاح هو أرضه التي يعتني بها، ويمدّها بالسماد اللازم حتى تصبح تربة صالحة للزراعة، فيجني من خلالها ثمارًا تنعش تجارته، فإن الإنسان هو رأس مال الدولة المصرية في الجمهورية الجديدة التي تخطو نحوها وتُرسّخ لقواعد صلبة ومتينة في بنيتها التحتية، فبدون الإنسان صحيح الجسد والنّفس والعلم والإنتاج لن تقوم المجتمعات.

الصحة النفسية بلغة الأرقام

وإن كنا في مصر أمام 24.7% من المواطنين يعانون من أعراض نفسية، و7% لديهم اضطرابات نفسية، وذلك وفقًا لآخر مسح قومي للصحة النفسية أجرته وزارة الصحة والسكان على عينة عشوائية لنحو 22 ألف أسرة مصرية موزعين على محافظات الجمهورية بالاشتراك مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وإن كانت بيانات المسح الجغرافي تقول إن أكثر الاضطرابات النفسية انتشارًا كانت "اضطرابات الاكتئاب" بنسبة بلغت 43.7% ، فيما جاءت في المرتبة الثانية الاضطرابات الناجمة عن تعاطي المخدرات بنسبة 30.1%.

وإن كانت منظمة الصحة العالمية أكدت أن الاكتئاب سيكون المرض الأول في العالم بحلول عام 2030 فإن اتجاه مصر الآن نحو شقّ درب الصحة النفسية والدّفع بإمكانات المنظومة الصحية في هذا الدرب وتوفير الآمان عبر إدخال الكشف والعلاج النفسي ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل الذي يتيح للمواطنين من البسطاء ومحدودي الدخل خدمة الكشف والعلاج النفسي فإن "أم الدنيا مصر"، تخطو نحو تطبيق قول الله تعالى "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا".

طوق النجاة من الموت الخفي

والصحة النفسية إذا تدهورت لدى إنسان يصبح للأسف عُرضة للقتل فالشخص الذي يعاني من الاكتئاب إذا لم يتدخل الطب النفسي بالعلاج سيقوده هذا الاكتئاب إلى الانتحار وقتل النفس؛ ولذلك فإن ما تعتزم مصر أن يكون أولوية الفترة القادمة، حيث الاهتمام بالصحة النفسية للمصريين بكافة أعمارهم هو فرصة حقيقية للنجاة من الموت سواء الموت الذي تتوقف فيه الأنفاس ويفنى بعده الجسد أو الموت الذي يزور الشغف والعزيمة لدى الإنسان وهو على قيد الحياة.. إن المرض النفسي هو ذلك المَوت الخَفي الذي لا تظهر أعراضه جليّة كما تظهر أعراض الأمراض العضوية.

معركة الصحة النفسية

وبعض الأرقام تكون كالفارس الذي يعلم حجم المعركة منذ اللحظة الأولى لتواجده في الميدان، إذ يوجد شخص من كل ثمانية أشخاص في العالم تقريبًا يعاني اضطرابًا ذهنيًا، وفق تقرير منظمة الصحة العالمية، الذي يوجّه البنان نحو حجم المعركة وأن تدهور الصحة النفسية معاناة هائلة حول العالم وليس دولة بعينها!

ميزانية الفوز في معركة الصحة النفسية

قبل جائحة كورونا -التي تركت تأثيرات نفسية سلبية على المواطنين في جميع أنحاء العالم ممن فقدوا وظائفهم ورزقهم بسبب التزام المنزل إجبارًا ضمن إجراءات الوقاية من الفيروس التي طبقتها الحكومات إضافة لمشاعر القلق والخوف والتوتر من المرض المجهول- كان حوالي مليار شخص في العالم يعانون نوعا من الاضطرابات النفسية، وفق ما أعلنت الوكالة التابعة للأمم المتحدة في دراسة هي الأوسع لها بشأن الصحة الذهنية حول العالم استغرق إعدادها عقدين من الزمن.

حجم الاستثمار في معركة الصحة النفسية

وخلال السنة الأولى من الجائحة، ازدادت نسب الإصابة بالاكتئاب والقلق بواقع الربع، لكن الاستثمارات اللازمة للتصدي لهذه الحالات لم تشهد أي ازدياد، فبحسب منظمة الصحة العالمية، 2% فقط من الميزانيات الوطنية للصحة، أما الصحة النفسية فأقل من 1% من إجمالي المساعدات الدولية على قطاع الصحة مخصصة لها.

إستراتيجية مصر في معركة الصحة النفسية

وإذا كان هذا هو حجم الميزانية المخصصة للصحة النفسية فلك أن تتوقع حجم الاهتمام بها على أرض الواقع، وهو ما يجعل وجود مبادرة رئاسية في مصر للصحة النفسية تتضمن الكشف والعلاج والتوعية والوقاية، خطوة عاكسة لاتجاه أنظار مصر نحو جمهورية جديدة – كما هو شعار الدولة منذ أكثر من عام – رأس المال فيها هو الإنسان الذي سيتحقق به المستقبل المنشود والذي لا يتحقق إلا بالتعّلم والعمل والإنتاج، وكل ذلك لن يحدث إلا بإنسان يتمتع بصحة نفسية جيدة.

المنظومة الصحية

الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة، أكد أن دعم منظومة الصحة النفسية على رأس أولويات الوزارة الفترة القادمة، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية في هذا الشأن.

مبادرة رئاسية لدعم الصحة النفسية

وقال الوزير إنه يتم العمل على إدخال مستشفيات الصحة النفسية ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل في بورسعيد، متابعًا: "الصحة هي صحة جسمانية والصحة النفسية والصحة المجتمعية، وهم عماد منظومة الصحة في أي مكان في العالم، وقطاع الصحة النفسية على رأس أولوياتنا الفترة القادمة، ونعمل على تنفيذ تكليف رئيس الجمهورية بشأن مبادرة رئاسية للصحة النفسية في مصر".

وصمة العار اللاحقة بالصحة النفسية

الدكتورة هالة يسري أستاذ علم الاجتماع في مركز بحوث الصحراء، تقول لـ"بوابة الأهرام"، إن هذه الأولوية المقبلة لمصر ستضيف الكثير في ملف الصحة النفسية حيث ستدفع بنسبة كبيرة من المفاهيم الخاطئة الرائجة حولها لدى البعض ممن يربطون بين الصحة النفسية والوصمة.

تثقيف المجتمع بأهمية الصحة النفسية

وتضيف أستاذ علم الاجتماع قائلة :"عندما تدعم الدولة الصحة النفسية وتدخلها ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل الذي يضمن وصول الخدمة لجميع الطبقات بالمجتمع، وعندما يكون المُتابع الأول لهذا الدعم هو رئيس الجمهورية، فهذا في حد ذاته دعم نفسي لكل شخص يريد الذهاب لطبيب نفسي لكنه يخشى النظرة السلبية والوصمة التي يصفه بها البعض".

إتاحة خدمة الصحة النفسية للفقراء

ويقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الصحة النفسية، لـ"بوابة الأهرام"، إن دخول خدمة الصحة النفسية ضمن الخدمات الصحية الأخرى التي تقدمها الدولة عبر منظومة التأمين الصحي سيكون له بالغ الأثر الإيجابي في نشر ثقافة الاهتمام بالصحة النفسية بين المواطنين وبالتحديد البسطاء منهم.

خطورة إهمال الصحة النفسية

ويضيف "فرويز"، أن وصف المريض النفسي بأنه يحمل وصمة عار أو أنه مجنون، غير مقبول لأن المشكلات النفسية كغيرها من المشكلات العضوية بل إنها قد تقتل المريض في أحيان كثيرة عندما تزداد حدّتها بدون علاج وعلى سبيل المثال مرض الاكتئاب الذي يجعل المصاب به – في مراحله المتطورة – يلجأ للانتحار حتى يتخلص من آلامه النفسية وموت شغفه ورغبته في الحياة، قائلًا:"لو لم تدرك الدولة المصرية حجم المعاناة التي يمر بها المريض النفسي ما لجأت لجعل الصحة النفسية أولوية في الفترة القادمة وعزمت أن تُدخِل هذه الخدمة ضمن خدمات التأمين الصحي الشامل، فواحد من الأدوية النفسية تصل تكلفته الشهرية للمريض إلى 60 ألف جنية، والدولة توفره ضمن منظومة التأمين الصحي، بالمجان".

كهوف الانتكاسات بعد الاستشفاء النفسي

ويقول الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، لـ"بوابة الأهرام"، إن الخطورة في الانتكاسة التي قد يتعرض لها بعض المرضى النفسيين الذين يلجأون بالفعل إلى متخصصين ويحصلون على العلاج .

طوق النجاة في الجمهورية الجديدة

ويوضح أن نسبة الانتكاسة بعد الاستشفاء تكون مرتفعة إذ يتعرض لها نحو 80% من مرضى الاكتئاب، و90% من المدمنين، و5% عند مرضى الوسواس القهري، وهو ما يجعل من المبادرة الرئاسية المُنتظرة للاهتمام بالصحة النفسية في مصر، طوق نجاة حقيقي من الأمراض النفسية لأن المبادرة ستوفر الطبيب والعيادة والعلاج والمتابعة التي تُعد أهم خطوة لحماية المريض من السقوط مجددًا في كهوف الانتكاسات.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: