Close ad

حدث بالفعل.. «وبشر الصابرين»

26-10-2022 | 13:56

أيقونة للصبر في أبهى صوره، اليقين إلى أقصى حد بأن قدر الله نافذ لا محالة، وأن ما شاء الله واقع لا مفر، وكل آت من عنده هو خير لو كنتم تعلمون. 

لم نكن نعرف بعضنا البعض رغم قرابتنا، كنت أعلم أن لي ابن خال يكبرني بعام واحد "شكله حلو قوي"، هكذا كانوا يقولون دائمًا، يعني الشعر الناعم والعيون الخضراء والوسامة، وعندما رأيته وجدته أجمل بكثير مما وصفوا، لم أكن أره كثيرًا فقد كان يسكن بعيدًا، وفي وقت ما قضى فترة طويلة مع أبويه في ليبيا، ثم عاد والتقينا في المدرسة الثانوية، ولأننا لم نتعارف من قبل كان كلامنا قليلًا، وربما كانت نقاط اختلافنا أكثر من نقاط الالتقاء.

كان محمد اجتماعيًا أكثر مني في ذلك الوقت، كان جريئًا ومندفعًا، وكنت شخصًا متحفظًا خجولًا لدرجة كبيرة، وبالتالي لم تتوافر لنا الظروف لنكون أصدقاء.

مرت سنوات ودخلت كلية الحقوق لأجده أمامي، ولم يكن هناك بد من أن نتعارف، أربع سنوات طويلة آتيه ولا مفر من الالتقاء، تعارفنا وتقاربنا، اتفقنا واختلفنا، لم يكن هناك شبه بيننا فى أشياء كثيرة، لكن تكونت صداقة كبيرة، فلم نكن نفترق لحظة واحدة، كنا سويًا في فريق التمثيل، وعند إنشاء أسرة بالكلية، وفي الرحلات والسهرات.. وفي كل شيء على مدى سنوات الدراسة، ثم تخرجنا وباعدت بيننا الحياة مرة أخرى، ذهب للعمل في السعودية وكان ناجحًا، ثم أجبرته الظروف على العودة، عمل بالمحاماة ثم تزوج وأنجب ثلاثة أطفال رائعين بارك الله في أعمارهم، أصبح التواصل متباعدًا فكلٌ منشغل في أسرته وأحواله، وفجأة وجدت من يخبرني أن محمدًا مصاب بالسرطان، وأن حالته غير مطمئنة.

وبدأت رحلتنا سويًا مرة أخرى وأخيرة، بعد إجراء عملية استئصال الورم كنت سوف أسافر للعمل في النرويج لفترة ستة أشهر، تواجدت معه بشكل شبه يومي قبل سفري، وحتى بعد سفري ظللت أتواصل معه للاطمئنان على حاله.

كان متماسكًا إلى أقصى درجة وبداخله أمل ويقين بأنه سوف يشفى من هذا المرض اللعين، وبالفعل كانت تحاليله بعد بداية العلاج جيدة جدًا، لكن انتكس الوضع وانتشر المرض، عدت من سفرى وكان العد التنازلي قد بدأ، الألم يتزايد بشكل كبير، الذهاب إلى المستشفى بات مستديمًا، العلاج لا يؤثر فى تخفيف الألم، كل ذلك وهو ما زال على أمل ويقين أن العلاج الكيماوي سوف يضع نهاية لأوجاعه. 

لا أنسى يومًا كنت أجلس بجانبه ثم وجدته فجأة يقول لي: "إنت هتسافر النرويج تاني؟".. قلت له لا يا محمد البرنامج الذي حضرته يستضيف الباحثين مرة واحدة فقط.. قال: "لأ هتسافر، أنا حلمت بكده والله العظيم"، وبعدها سافرت بالفعل في سابقة كانت الأولى من نوعها في البرنامح الذى نظمته جامعة برجن، وتحقق حلم محمد.

رزق الله محمد بالزوجة الصالحة، بارك الله في عمرها ومتعها بوافر الصحة والعافية، وبارك لها في أولادها وعوضها بهم خيرًا عن فقدها أبيهم، أشهد الله على أنني ما رأيتها يومًا وقد أصابها الملل من زوجها، كنت أدخل فأجدها تجلس على السرير وهو يرقد على كتفيها، أقول له مداعبًا ومحاولًا تخفيف الألم: إيه الدلع ده يا سيدي.. فيبتسم ابتسامته الجميلة المشاكسة التي ما زلت أراها حتى الآن، كانت تضحك أمامه وتداعبه وكأنهما أطفال صغار، وما إن تراها وحدها حتى تجدها تبكي بمرارة على زوجها الحبيب، وتقول: مش عارفة أعمل إيه.. هو يتصور إن العلاج الكيماوي سوف ينتهي بعد شهر، وأن كل شيء سوف يكون على ما يرام.. الأطباء يقولون إن الحالة تزداد سوءًا.. ماذا أقول له بعد شهر؟ ماذا أفعل؟

وشاء الله ألا تحتار تلك الزوجة المخلصة كثيرًا، فقد توفي محمد قبل ذلك، توفي وترك لها ثلاثة أبناء أكبرهم كانت تبلغ من العمر تسع سنوات والصغير ثلاث.

هم الآن قد كبروا، لكن ذكريات أبيهم معهم ليست واضحة أو كافية.. لقد رحل قبل أن يكمل الأربعين من عمره وكانوا صغارًا، لذلك عندما جلست معهم في إحدى المناسبات وبدأت في سرد حكاياتي أنا وأبيهم ونحن في الجامعة، وبدأت أقلده وأجسد لهم حركاته ونظراته، وجدت في نظراتهم سعادة كبيرة لا أستطيع وصفها، وإذا قال أحدهم شيئًا أو فعل شيئًا أقول له: عارف لو أبوك هنا دلوقت كان عمل إيه، ثم أتصرف مقلدًا أبيهم، وهم يضحكون ويضحكون كأنهم يرونه أمامهم.

حبيبي وصديقي محمد، أعلم أنك في مكان أفضل، وأن وعد الله حق «وبشر الصابرين»، وأشهد الله أنني رأيتك من الصابرين، لم تشتكِ يومًا ولم تعترض على قضاء الله في لحظة.

واحشني بجد.. نلتقي على خير إن شاء الله يا حبيبي يا محمد!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: