Close ad

ربما تفعلها تراس في ذكرى وعد بلفور!!

16-10-2022 | 15:38

رد العرب مرتين على تصريحات ليز تراس رئيسة وزراء بريطانيا التي وعدت فيها بأن بلدها تدرس نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس... الرد الأول صدر عن السفراء العرب المعتمدين في لندن، والرد الأخير جاء قبل أيام في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين. 
 
وحذر العرب من تداعيات سلبية أكيدة على عملية السلام في الشرق الأوسط إذا ما أقدمت المملكة المتحدة على نقل السفارة، في ظروف يمر بها العالم تستدعي عدم خلق أزمات جديدة، ودعا المندوبون بريطانيا إلى تذكر مسئوليتها التاريخية إزاء القضية الفلسطينية، وإلى إعادة النظر ودراسة تداعيات مثل هذه الخطوة.
 
 كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد أتخذ خطوة مماثلة عطلت عملية السلام، وندد العرب بالخطوة التي دمرت حل الدولتين، ولكن المعضلة العربية كما هي، وكما يعرفها الغرب، الاحتجاج الرسمي والشعبي، ثم آفة النسيان، وتمضي العلاقات مع العواصم الغربية كما هي، وربما أشد متانة، إلى أن نفيق على صفعة جديدة.
 
وإن كان الأمل لم يتبدد في تصرفات مغايرة هذه المرة، ضد الخطوة البريطانية، خصوصًا بعد قمة الرياض التي جمعت في منتصف يوليو الماضي الرئيس الأمريكي وزعماء عرب، والتي كشفت في تصوري عن مواقف عربية واضحة تجاه قضايا المنطقة والعالم. 
 
واستطاعت الأطراف العربية في القمة الابتعاد عن المجاملات، وإبداء مواقف معبرة عن دول ذات سيادة، وأنهم لا يتلقون الأوامر. عرفت العواصم العربية أنها في فترة زمنية يعاد فيها رسم خريطة العالم، رغم أي نتيجة يمكن أن تسفر عنها الحرب الروسية في أوكرانيا، بينما انكشفت مواقف الغرب الذي يريد وحده إدارة المنظومة العالمية تمامًا كالزمن الاستعماري القديم.
 
وموقف إدارة ترامب والذي لم تتراجع عنه إدارة بايدن، وكذلك موقف الحكومة الجديدة في بريطانيا، إنما يدعم سياسات ضم الأراضي المحتلة بالقوة ويسبغ عليها الشرعية، وتمثل أنماط ضم الأراضي من قبل دول استعمارية لأراض قامت باحتلالها إشكالية في العلوم السياسية، وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا بمجرد النظر إلى ردود الفعل المتضاربة حولها.
 
وحظيت عملية ضم روسيا لأراضي أربع جمهوريات سابقة كانت ضمن دولة أوكرانيا برفض واسع خصوصًا من الدول الغربية، ومن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وربما كانت في مقدمة الأعلى صوتًا في الرفض رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة ليز تراس، والأكثر إثارة للدهشة في رفض تراس لضم الأراضي من حيث المبدأ، أنها وفي نفس التوقيت، ذهبت إلى الاعتراف بضم إسرائيل للقدس المحتلة، وكانت إسرائيل قد ضمت القدس الشرقية عقب أيام من احتلالها في حرب يونيو عام 1967 في خرق واضح للقانون الدولي. 
 
وكل ما أخشاه أن تمضي تراس في خططها لنقل السفارة، وأن تجرح الكبرياء الفلسطيني بأن تنفذ قرارها في ذكرى وعد بلفور مطلع الشهر المقبل.
 
ما مشكلة ليز تراس إذن مع ضم الأراضي؟.. لقد استخدمنا بإفراط تعبير "ازدواجية المعايير" ولكن النظرة المتجاوزة للمبادئ هي الوصف الأقرب للدقة في حال رفض خطوة روسيا بضم أراض أوكرانية، والتي لا يمكن الجزم بمدى صمودها، وقبول خطوة ضم إسرائيل أراض فلسطينية بعد ممانعات شكلية طوال العقود السابقة من الغرب نفسه، ناهيك عن المسئولية الفعلية والمعنوية البريطانية في إقامة دولة إسرائيل ذاتها.
 
لقد كان الاستعمار الغربي لبلدان عدة والذي ساد في معظم دول الكرة الأرضية، قبل قرن ونصف القرن، هو الطرف المؤسس لخطط وأفكار الضم في التاريخ الحديث. 
 
وكان لكل دولة استعمارية فلسفة خاصة بها ومبررات ثقافية متنوعة في ضم أراضي المستعمرات، للحد الذي بلغ بالملكة فيكتوريا ملكة انجلترا قبل أكثر من مائة عام، أن قدمت جبل كلمنجارو في تنزانيا كهدية إلى قيصر ألمانيا في عيد ميلاده، بينما كان ضم الروح واستلابها هو الأكثر أيلامًا؛ حيث لاحظ جان بول سارتر في مقدمته لـ"مختارات من الشعر الإفريقي" جمعها المفكر والشاعر والرئيس ليوبولد سنجور أن الزنجي يتعلم أن يقول "أبيض بلون الثلج" عندما يشير إلى البراءة وعندما يصف فعلة قبيحة يقول إنها سوداء، فضلا عن إحلال اللغات الغربية في المستعمرات، ونقل الآثار أو سرقتها واجتثاث النخب وبسط السيادة.
 
كانت قرارات الضم والترك والاستبدال والتبادل والتنازل أدوات استعمارية أوروبية شائعة في علاقات الإمبراطوريات صاحبة النفوذ العسكري القوي، في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا طوال القرن الثامن عشر، وكانت تدبج في ذلك المعاهدات والمواثيق.
 
وبات قادة فرنسا على سبيل المثال يتعاملون مع المستعمرات مثل الجزائر وغيرها باعتبارها جزءًا من فرنسا، ولم يكن تعبير "الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس" أكثر التصاقًا بأي إمبراطورية من بريطانيا، التي كانت تضم مباشرة أي أرض تحتلها، فيما استعملت صيغًا مختلفة بعض الوقت كالحماية والانتداب.
 
ولم يكن أكبر توسع استعماري بريطاني سوى على عهد بينجامين دزرائيلي زعيم حزب المحافظين الذي تنتمي إليه تراس.. ولم تعتذر أي إمبراطورية عن الاحتلال ونهب وتجريف ثروات الدول التي احتلتها، ثم تأتي بريطانيا الآن لتعترف رسميًا بضم إسرائيل للقدس المحتلة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: