Close ad

نبوت جورنال الخديو!

16-10-2022 | 16:11

(وإن رئي إهمال من الكُتاب يجري مجازاتهم كنص القانون بالضرب 300 نبوت مع العلم بمجازاتهم أيضًا فيما لو حصل منهم تراخ).. جاء هذا في كتاب "تقويم النيل/ ج2" لمؤلفه "أمين سامي باشا"، كمقتطف من تهديد ووعيد والي مصر محمد علي باشا للعاملين في ديوان "جورنال الخديو"، لكن السؤال: ما هو "جورنال الخديو" هذا الذي يُعاقب المُهمِلون فيه بالضرب بكل هذا العدد من النبابيت؟!

عقب فراغ محمد علي من القضاء على خصومه في الداخل، ونجاحه في الاستنهاض الأولي لمصر بشتى المجالات، بدأ يفكر في الوسيلة المثلى التي تتيح له متابعة كل أخبار القُطر وإصدار  كل أوامره إلى رجاله في طول البلاد وعرضها، وذلك على نحو يُراعى فيه النظام والدقة، فكان استحداث ما عُرف حينئذ بجورنال الخديو، غير أن لفظ "Journal" بتلك الفترة المبكرة من القرن التاسع عشر بمصر -كما جاء عند الأستاذ "رمزي ميخائيل جيد" بكتابه "تطور الخبر في الصحافة المصرية"- لم يكن يعني الجريدة بمدركها المتعارف عليه حاليًا، بقدر ما كان يعني "التقرير"، لذا وفي عام 1813م كان التدوين الأول لجورنال الخديو وبخط اليد. وقد أسند الباشا رئاسة تلك المهمة إلى "محمود أفندي" الذي عُرفت وظيفته باسم "جورنال ناظري" أي ناظر التقارير التي تُرفع للوالي، هذا الأفندي بدوره كان رئيسًا لنخبة من الكتاب الآخرين الذين يتقنون اللغة العربية والتركية، تمثلت مهمتهم في استقبال سائر الأخبار الواردة من مختلف المدن والأقاليم المصرية، وبحثها وتبويبها قبل تقديمها إلى محمد علي للنظر فيها، تمهيدًا لإصداره قراراته وأوامره التي تدون هي الأخرى عبر أعداد من ذات الجورنال وترسل إلى رجالات الوالي، ومع إنشاء محمد علي لمطبعة القلعة عام 1821م أصبحت تلك التقارير تنسخ في المطبعة باللغتين، وعددها بأي مرة لم يتجاوز المائة نسخة. كان جورنال الخديو حقبتئذ أقرب لجريدة رسمية موقوفة على الباشا ورجاله.

في البدء كان هذا "الجورنال/ التقرير" يُقدم إلى محمد علي مرة على الأقل في الشهر، ثم رأى الباشا أن هذه المدة مجالٌ لتكاسل عماله وتلاعبهم وإخفائهم ما يجب أن يُكشف له، ما دفعه إلى طلب الجورنال في اليوم الأخير من كل أسبوع، ومع تسارع عجلة بناء الدولة، تبين أنَّ أمورًا قد لا تتحمل الانتظار لسبعة أيام، فأصدر أمرًا بعرض الجورنال عليه يوميًا أو في أي وقت يشاء، للنظر بالشؤون العاجلة. كل هذا تطلب وسيلة سريعة لنقل الخبر إلى الوالي ثم إرسال قرار الوالي إلى كل مَن يهمه الأمر، هنا يخبرنا كتاب "بناء دولة مصر محمد علي.. السياسة الداخلية" لمؤلفه د/ محمد فؤاد شكري وآخرين، في الصفحة رقم 773 بشيء مثير للخيال! لمَ لا وقد كان يتم نقل جورنال الخديو وأخباره عبر سعاة من أبناء العرب السائرين على أقدامهم وبسرعة عظيمة! إذ يقطع الواحد منهم مسافة فرسخين "حوالي 10 كم" في الساعة، ثم يُستبدل بآخر في كل محطة من محطات البريد المرتبة على الطريق الواصل من وإلى القاهرة. الأكثر إدهاشًا هو ما يخبرنا به د/ إبراهيم عبده في كتابه "تطور الصحافة المصرية" بالصفحة رقم 29، حيث نفاجأ بأن جورنال الخديو أصبح يتضمن علاوة على الأخبار الحكومية، مقتطفات من "ألف ليلة وليلة" وذلك على سبيل التشويق والتسلية! بدا أن "جورنال/ تقرير الخديو" رغم رسميته -وقبل صدور الوقائع المصرية في 1828م- وكأنه محاولة لإصدار أول صحيفة مصرية حتى وإن لم يدرك القائمون عليه ذلك في البدايات!

المغرمون بالحكايا المصرية الصغيرة في القرن التاسع عشر، والتي رُبما لا يتذكرها أحد الآن، يدركون دلالة وسحرية مروية "جورنال الخديو" في تلك اللحظة المبكرة من تشكل جنين صحافتنا قبل حوالي قرنين من الزمان، لحظة بدا فيها محمد علي كرئيس تحرير، والعاملون بديوان الجورنال كصحفيين أُول لا ينضبطون إلا بالنبوت.

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: