Close ad

الباب الواسع لانهيار أمن العالم.. حروب المناخ

10-10-2022 | 22:25
الباب الواسع لانهيار أمن العالم حروب المناخأرشيفية
أسامة الدليل
الأهرام العربي نقلاً عن

أصبح هما إنسانيا عالميا سيعيش معنا طويلا

موضوعات مقترحة

الحرب بين روسيا والغرب بدأت فى قمة المناخ

مجلس الأمن القومى الأمريكى أصدر تقييماً للتهديدات المناخية

بدءا من 2030 ستكون الكمامة إحدى مفردات البشرية بسبب تلوث الهواء

أمريكا أصدرت إستراتيجية مناخية للأعمال القتالية لتقليل الانبعاثات الحرارية

فى عام 2050 سيصبح الخروج إلى الشار ع مخاطرة كبرى

سيعتمد الناس على الرياح وسيعيشون فى جماعات بشرية أقل

لم يعد كوكب الأرض على حافة الكارثة، هو يعيشها بكل تفاصيلها حاليا، ومن الآن فصاعدا علينا أن نتعايش مع المناخ بوصفه مرادفا للحرب والصراع، لا عنوانا للعيش فى سلام، المناخ تحول إلى التهديد الأعظم لبيئة الأمن القومى للعالم بالفعل، ويبدو أن هذا المفهوم سيكون الفارق الوحيد بين قمة جلاسكو 2021، وقمة شرم الشيخ، المقرر عقدها فى نوفمبر 2022، ذلك أن كبار الذين تعهدوا بخفض الانبعاثات الكربونية العام الماضى، هم أنفسهم الذين تصارعوا بعدها بثلاثة أشهر فى فبراير الماضى على تأمين إمدادت النفط والغاز على خلفية الحرب فى أوكرانيا.

من باب التطمينات، تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بإمداد دول الاتحاد الأوروبى بنحو 15 مليار متر مكعب من الغاز الصخرى المسال، والإفراج عن 70 مليون برميل من الاحتياطى الإستراتيجى للنفط الخام الأمريكى، والرسالة المهمة هنا: اطمئنوا على حصتكم من الانبعاثات الكربونية الحرارية، نحن لن نترككم فريسة للنفط والغاز الروسى، وليذهب مناخ الأرض إلى حيث ألقت الحرب بين روسيا والغرب التى كانت نذرها تلوح أثناء قمة الأطراف المعنية بالتغير المناخى فى جلاسكو فى نوفمبر من العام الماضى هى ذاتها التى كشفت عن أن دول الاتحاد الأوروبى تنفق 2 تريليون دولار على التسلح، وأنها فى سبيلها لزيادة الإنفاق الدفاعى بصورة عاجلة، بينما كانت الدول ذاتها تبحث عن تمويل لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية يقيمة 180 مليار دولارا دون أن تجد آذانا صاغية، وربما تعلل البعض بها فى عدم التزامه بمقررات قمة جلاسكو، وهو ما كان حذر منه سلفا جون كيرى، المبعوث الأمريكى للتغير المناخى ببداية هذا العام، إذ توقع ألا تفى عدد من الأطراف الدولية بالتزاماتها، برغم أن الحرب لم تكن قد وقعت بالفعل!

لكن يظل المثير للدهشة هو أنه وقبل أن تندلع الحرب فى أوكرانيا بثلاثة أسابيع كان الجيش الأمريكى قد أصدر وللمرة الأولى فى تاريخه كله أول إستراتيجية مناخية للأعمال القتالية، وفى مفارقة نادرة صدرت هذه الوثيقة لتنسيق الجهود العسكرية الأمريكية للاستجابة للصراعات الدولية التى سيتسبب فيها ارتفاع درجة حرارة الأرض!

الخطة الإستراتيجية تهدف إلى تقليل الانبعاثات الحرارية للجيش الأمريكى إلى النصف بحلول عام 2030، والعمل على (كهربة) كل المركبات غير القتالية بحلول 2035، على أن تتم كهربة الدبابات والمدرعات وحاملات الجنود بحلول 2050، وكذلك تدريب الأجيال الجديدة من الضباط والجنود على كيفية إعداد أنفسهم للقتال فى عالم أكثر حرارة وفوضى فقط لا غير، دون أى ذكر لما يتعلق بوقود الطائرات والصواريخ.

 ومن عجب أن هذه الخطة تعد جزءا من جهد أوسع للإدارة الأمريكية الحالية للتعاطى مع التغيرات المناخية فى كل الإدارات والوكالات الحكومية بما فيها البنتاجون، ووجه العجب هنا أنها ذات الإدارة التى استجابت لأزمة الطاقة التى ترتبت على الحرب بزيادة استهلاك النفط والغاز وتشجيع اللجوء إلى الفحم، بدلا من انتهاز هذه الفرصة التاريخية للجوء فورا ودون إبطاء لمصادر الطاقة المستدامة النظيفة!

الأخطر فى هذه الخطة الإستراتيجية، ذلك الجزء المتعلق بمستقبل الحروب من وجهة نظر البنتاجون ومحلليه الإستراتيجيين الكبار الذين حذروا من التعقيدات الأمنية حول العالم، بسبب التغيرات المناخية، حيث تقرر الوثيقة أنه قد تلاحظ بوضوح المخاطر المتزايدة من نشوب الصراعات المسلحة فى مناطق متعددة من العالم، ستشهد اضطرابات اجتماعية تؤججها التغيرات المناخية، مناطق على هذا الكوكب لن يتمكن فيها السكان من الحصول على الأساسيات من اجل العيش، وستمثل التغيرات المناخية خطرا على حكوماتها واقتصاداتها، بل وربما أفضت التغيرات فى المناخ إلى تدمير بنيتها التحتية ومحاصيلها الغذائية، والأخطر هو أن المحللين الإستراتيجيين فى البنتاجون يتوقعون وبشكل متزايد صنوفا من الصراعات ستتفجر فى الأمد القريب، بسبب مياه الشرب والرى، وفى مقدمتها الصراعات حول نهر الميكونج، وهو شريان الماء الحيوى للعديد من دول جنوب شرق آسيا، ومنبعه الأساسى من الصين، وكذلك التنافس بين القوى العظمى فى العالم للسيطرة على الماء الذائب من الجليد فى القطب الشمالى!!

ويظل اللافت للانتباه، أن مجلس الأمن القومى الأمريكى وتجمع أجهزة المخابرات الأمريكية فى 21 أكتوبر من العام الماضى كانت قد أصدرت تقييمات استخباراتية بشأن التهديدات طويلة الأمد التى تفرضها التغيرات المناخية الحادة وارتفاع حرارة الأرض على الأمن العالمى، وفى مقدمته الأمن القومى للولايات المتحدة ذاتها، وقد خلصت التقييمات الاستخباراتية إلى أن هذه التهديدات سيكون من شأنها إعادة صياغة المصالح الإستراتيجية الأمريكية، وأن هذه التهديدات قد تعزز من فرص الصين وتزيد من عدم استقرار الدول النووية كباكستان وكوريا الشمالية.

حتى ذلك الوقت، الذى سبق انعقاد قمة جلاسكو فى أسكتلندا بشهر واحد، كان الخبراء العسكريون فى أمريكا يركزون على الكيفية التى يمكن أن تؤثر بها القيضانات ودرجات الحرارة المرتفعة على الجاهزية العسكرية للجيش الأمريكى بأكثر من تركيزهم على التداعيات الجيوسياسية للحرارة على دول العالم، لكنهم خلصوا إلى أن ارتفاع درجات الحرارة قد يفضى لإفشال وانهيار الدول، وفى ذلك قال وزير الدفاع الأمريكى لويد أوستن، فى بيان مصاحب للتقديرات المخابراتية: لقد غير التغير المناخى من الساحة الإستراتيجية والبيئة الأمنية وفرض تهديدات معقدة على الولايات المتحدة وباقى شعوب العالم، ولكى نردع الحروب ونحمى بلادنا، فإن وزارة الدفاع ينبغى أن تفهم السبل التى يمكن للتغير المناخى أن تؤثر بها على خططنا ومهامنا وقدراتنا.

الأمر ذاته سنجده لدى دول حلف شمال الأطلنطى، حيث كان الحلف قد قرر ببداية العام الماضى أن يزيد من تركيزه على إثر التغيرات المناخية على الخطط الإستراتيجية للحلف، بينما صدر عن الجيش البريطانى فى أكتوبر الماضى تقريرا عن مدى تأثير التغيرات المناخية على بيئة العمليات العسكرية، للعقود التالية.

ومع ذلك، فإن البيانات الصادرة عن وزارة الطاقة الأمريكية تحمل معلومات تثير العجب، فى 18 يناير الماضى 2022، ذلك أنها تقدر أن الجيش الأمريكى هو أضخم ملوث للبيئة فى العالم، وكأنه دولة صناعية كبرى، وأنه منذ اندلاع الحرب على الإرهاب فى 2001، أطلق 1.2 مليار طن مترى من غازات الدفيئة الحرارية فى الغلاف الجوى، وأنه ينتج من غاز ثانى أكسيد الكربون كميات أكبر مما تنتجه دول مثل الدانمارك والبرتغال معا، وأنه يحتل المركز 47 فى تلويث البيئة عالميا، بدون حساب ما تطلقه الآلة العسكرية الأمريكية فى أعالى البحار

وإذا ما ابتعدنا عن المخاوف الأمنية للجيوش وأجهزة المخابرات الغربية، سنجد أنفسنا أمام حقيقة لا مفر منها: فى كل الأحوال التغير المناخى هو والحرب أصبحا مصطلحا واحدا!

وتفاصيل هذه الحرب الدائرة حاليا، التى ستشكل مستقبلنا حتى نهاية القرن الحالى، تؤكدها الحقائق العلمية، ذلك أن درجة حرارة هذا الكوكب آخذة بالارتفاع، وأنها ستزداد بنحو ثلاث درجات مئوية بحلول 2100، وأننا بداية من 2030 سنواصل ارتداء الكمامات، ليس اتقاءً لمزيد من فيروسات الكورونا التى كممت أفواه العالم وحولتنا لكائنات بنصف وجه فى 2020، إنما تجنباً للتداعيات الكارثية لتلوث الهواء الحار على الجهاز التنفسى البشرى، بعد أن تكون ثرواتنا السمكية والحيوانية قد نفق أغلبها، مختنقا.

فى 2050، لن تختفى أعراض السعال البشرى الجاف فى أغلب جغرافيا العالم، إذ لن يكون هناك موضع واحد فى البر أو البحر يلجأ الناس إليه بحثاً عن الهواء النقى، ونقصد بالنقى هنا نوعية الهواء الخالى من الفيروسات المحمولة التى تتطاير من شرق العالم إلى غربه والعكس، وكذا الخالى من الانبعاثات الحارة الخانقة، وسيبدأ العالم يومه بالبحث عن (جودة) الجو، لن نبحث عن درجة الحرارة فهى لمزيد من الارتفاع، إنما درجة التلوث!

وبحسب دراسة أسهم فى نشرها المنتدى الاقتصادى العالمى فى مارس 2020، بعنوان ( المستقبل الذى نختاره) قالت الباحثة كريستيانا فيجويريس: قد يبدو للناس ( فى 2050) أن الجو مشمس وصحو، لكن الهواء الملوث ومستويات الأوزون السطحى المكثف سيجعل من الخروج للشوارع دون قناع مصمما خصيصا لهذه الحالات مخاطرة، وهو قناع لن يقدر غالبية الناس على تحمل تكاليفه.

وتمضى الدراسة للقول: لسوف تفقد دول جنوب شرق آسيا وإفريقيا الوسطى من الأرواح بسبب قذارة الهواء ما هو أكثر من الأرواح التى ستزهق فى أوروبا والولايات المتحدة، ولن يعمل فى الخلاء إلا القليل من البشر، حتى أولئك الذين يعملون داخل الأبنية، سيعانون من تنفس هواء برائحة حامضية، ولسوف تحمل الأمطار التلوث إلى الزراعات ما سيؤثر بدوره على الإمدادات الغذائية، وكنتيجة لذلك ستنمو غالبية الزراعات تحت الصوبات لحمايتها من التلوث، وسيكون هذا هو الاتجاه السائد فى كل أشكال الزراعة، وعلى مدار العقدين المقبلين ( أى حتى عام 2040) سترتفع درجات الحرارة فى بعض المناطق بصورة تخرج عن نطاق السيطرة، وسيتوقف المناخ عن امتصاص انبعاثات ثانى أكسيد الكربون، بل سيقوم بردها إلينا، لقد امتصت الغابات والمحيطات والنباتات والأشجار والتربة لعقود طوال نصف ثانى أكسيد الكربون، ولأن الحرائق التهمت الكثير من الغابات فى العالم، يبدو أن مساحات واسعة من هذا الكوكب بفعل الحرارة ستخلو من القاطنين خلال 5 إلى 10 سنوات على الأكثر، وبحلول العام 2100 فإن أستراليا وشمال إفريقيا وأجزاء واسعة من غرب الولايات المتحدة ستخلو من البشر!

معنى الكلام، أن تكاليف ما سنأكله ستتضاعف – إذا ما وجدناه – من دون تأثيرات الحرب الجارية حاليا، فى كل الأحوال أسعار الغذاء كانت فى طريقها للارتفاع، والأهم أن كثيراً من الأنشطة البشرية ستختفى، بفعل ردع الطبيعة لأى قرار تتخذه الكائنات الحية فى ممارسة وجودها الذى اعتادته لقرون، وأننا على مقربة سنوات نجد أنفسنا فيها وحدنا فى هذا العالم مع ثانى أوكسيد الكربون وفقرنا وجوعنا وأمراضنا، وبياناتنا الرقمية عن أسباب كل ذلك!!

لكن سيظل لافتا للنظر أن أعمال الرقمنة وتقنياتها بما فى ذلك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى الهادفة لتحسين كفاءة الصناعة والزراعة كل ما يمكنها أن تسهم به هو خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 4 بالمائة لاغير بحلول عام 2030، وهو ما أكدت عليه المجلة الدولية لإدارة المعلومات فى عددها الصادر هذا الشهر إبريل 2022، فى دراسة كبيرة عنوانها: التكنولوجيا الرقمية وإدارة المعلومات هل هى جزء من المشكلة أم جزء من حل مشكلات التغير المناخى؟ وفى هذه الدراسة تم التطرق بشكل غير مسبوق لإسهام المخلفات الإلكترونية من أجهزة قديمة ومكوناتها فى تلويت البيئة!

إذا كانت جغرافيا المناخ قد حسمت قرارها بما يتعلق بسنة 2050، وأخبرتنا بعضاً من حقائق إعادة توزيع السكان على الأرض بسبب الحرارة والتلوث، فإن ما سيترتب على ذلك سيرسم لنا صورة أكثر عمقاً ودقة ووضوحاً.

يفترض أنه مقابل كارثة المناخ سيعتمد البشر أكثر على الرياح، وسيعيشون من جديد فى جماعات بشرية أقل حجماً، قبائل صغيرة تعانى من الحر فى وقت يذوب فيه الجليد الذى كان يعكس ضوء الشمس وحرارتها وتزداد فيه المحيطات قتامة من فرط إمتصاصها لأكاسيد الكربون، فتمتص المزيد من الحرارة بعد أن فقدت اكثر من 90 بالمئة من شعابها المرجانية حالياً، وحالياً أيضا وفى القطبين - الشمالى والجنوبى - تزايدت بالفعل درجات الحرارة ما بين 6 إلى 8 درجات مئوية، وتتزايد ببطء فى كل يوم مناسيب إرتفاع ماء البحر، ما يهدد بالفعل وجود المدن الساحلية الحالية فى أغلب دول العالم، وتشهد حالياً بعض هذه المدن الساحلية فى بنجلاديش والمكسيك والولايات المتحدة تضرراً فى بنيتها التحتية وفقداناً فى الأرواح والممتلكات، بسبب الأعاصير والعواصف المترتبة على ارتفاع حرارة سطح البحار والمحيطات، لكن الصورة التى لا يمكن تجاهلها هو إعلان شركات التأمين عن إفلاسها، لعدم قدرتها على تعويض أصحاب البيوت المتضررة فى الولايات المتحدة ذاتها من جراء العواصف والأعاصير.

لقد كان محور أغلبية الدراسات والأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالتغير المناخى منصباً لسنوات حول إنقاذ الأنواع الحية من النباتات والطيور والأسماك والحيوانات والحشرات، لكن بحلول 2020 اكتشف العلماء أن القضية باتت تتعلق بإنقاذ آدميتنا نحن، كريستيانا فيجويريس، تقول عن ذلك بالحرف: لا توجد أى فرصة لوقف سخونة كوكبنا، ولا شك فى أننا نمضى ببطء لكن بثقة تجاه الانقراض البشرى، وليس ذلك لأن الجو يزداد حرارة فحسب، بل لأن ذوبان طبقات الجليد سيطلق أيضاً قدامى المايكروبات التى لم يتعرض لها أبداً البشر فى أيامنا هذه، وبالتالى لا يحوزون أية مقاومة لها، الأسوأ أن أزمات الصحة العامة المتعلقة بمقاومة المضادات الحيوية تزداد حدة، لقد بات زوال الأنواع البشرية موضع نقاش متزايد، عدم اليقين إلى أى مدى سنبقى، كم عدد الأجيال التى سترى ضوء النهار، أن حالات الانتحار هى أبرز مظاهر اليأس المتنامى، لكن هناك مؤشرات أخرى (على هذا اليأس): شعور بالحسرة والذنب غير المحتمل والحنق القاسى على أجيال سابقة لم تفعل شيئاً، لإيقاف هذا المصير النهائى غير القابل للإيقاف.

وعلى مدار العقد الماضى، تشهد صناعة الصيد البحرى كوارث تنذر بانهيار تام فى الإمدادات بالأغذية البحرية، ففى دراسة صدرت فى 6 أكتوبر 2016 نشرتها مجلة فوربس قالت: إن صناعة الصيد البحرى ستخسر سنوياً 10 مليارات دولار لحساب التغير المناخى بحلول 2050، وستواصل أسعار الغذاء بأنواعها ارتفاعاً، سيلتهم فى هذا التاريخ 30 بالمائة من ميزانيات الأسر، ما سيدفع الناس حينها لزراعة ما يحتاجونه داخل بيوتهم ذاتها، تلوث الهواء خارج البيوت ستحرمهم من الزراعة على الأسطح أو الشرفات، وعندما سنصل إلى منتصف القرن الحالى لن نسأل عن سبب ارتفاع أسعار الغذاء، لأن تكاليف إنتاجه ستكون مبررة، الماء والتربة والوقت والجهد كل منها سيكلف الكثير، لهذا السبب ستتلاشى صنوف البروتين الحيوانى ومنتجات الألبان من وجباتنا، وربما تنجح التجارب التى تتم حالياً فى سويسرا لإحلال بروتينات من الحشرات واليرقانات أو من بعض البدائل النباتية التى يمكن استخلاصها فى المنزل لدرجة لا تدفعنا لتذكر البروتين الحيوانى كما نعرفه.

لكن المؤكد أن الأطفال الذين سيشبون عن الطوق فى 2050، لن يصدقوا أبداً أن آباءهم وأجدادهم كانوا يذبحون الطيور والحيوانات ليتغذوا على لحومها، لكنهم سيصدقون أن الأسماك - التى سيرونها تنمو فى أحواض مائية مكلفة تكنولوجياً فى بيوتهم - كانت ذات يوم كافية ومشبعة ورخيصة، وأن مهنة الصياد إنما اختفت لعدم قدرة البشر على الإبحار فوق سطح الماء - لا تحته - من دون أسطوانات أكسجين، ولأسباب تتعلق بمناخ العمل وقلة الحركة وندرة الموارد وزيادة الضرائب الحكومية على المبيعات، سيتوقف الناس عن تداول الأطعمة السريعة واللحوم المصنعة والحلويات، ما سيقلل بالقطع من انبعاثات الكربون، وسيزيد من فرص النجاة من أمراض القلب والسكر وضغط الدم وبعض أنواع السرطان، وسيسهم التباعد الاجتماعى - الذى سيستمر طوعاً ثم كرهاً خلال العقود الثلاثة المقبلة - فى تقليل فرص الإصابة بالأوبئة الفيروسية على نحو ما شهد العالم فى وباء كورونا، الذى اكتشف فى ديسمبر2019، لكن ذلك لن يعنى أن الناس ستعيش حياة أطول، لأن أمراض الجهاز التنفسى ستتكفل بالباقى من أعمارنا!

ندرة الغذاء وغلاء أسعاره مع تطور تكنولوجيا (الإنتاج الرقمي)، ستضيف عنصراً خطيراً إلى الصورة: ستزيد البطالة، ولأن البشر يستهلكون المعلومات فحسب ولا يأكلون الأرقام ولا يلبسون البيانات ولا يقطنون ملفات الكمبيوتر، ربما تلجأ الحكومات لفرض حظر على أى تكنولوجيا تستبدل العنصر البشرى فى العمل، تفادياً لاندلاع ثورات شعبية، تتبنى الأفكار القومية المتطرفة مليارات الدولارات التى تم سكبها فى تكنولوجيا الروبوتات، لن تكون استثماراً ذا بال، والسيناريو هو التالى: سيضطر الناس للعيش فى قبائل صغيرة داخل المدن والقرى، سيتحول كل مبنى إلى خلية وفق عدد سكانه وقد ينتظمون فى شبكات اجتماعية تضم عدة أبنيه فى كل شارع، وسيخلقون تعاونيات يتبادلون من خلالها الكميات المتاحة من استنباط الغذاء ومقايضته (صنف مقابل صنف) وسيتحصلون على الطاقة من الشمس مباشرة.

 وبالرغم من أن الروبوتات والطائرات المسيرة ستقوم بأعمال التوصيل وبعض الخدمات التى كان يقوم بها البشر خارج الأبنية فى المناخ الخالى من التلوث، فإن أسعارها لن تكون فى متناول الجميع، تماماً كالسيارات ذاتية القيادة التى تمت تجربتها وتطويرها منذ سنوات، كلها ستخضع لاحتكارات كبرى ومع تزايد معدلات الفقر قد يكون المورد الأعظم لأرباح هذه الاحتكارات، هو إمداد أجهزة المخابرات الحكومية بتحركات الناس وسكناتهم، وما يتداولون النقاش بشأنه – بعد أن هجروا ما كان يدعى فى زماننا بوسائل التواصل الاجتماعى بعد تهديدها لاعتبارات الأمن القومى للدول والمجتمعات، وبالتالى السلم الإقليمى والدولى – وهذه المعلومات ستكون مركزية فى الوقاية من الانتفاضات الجماهيرية (الحتمية) التى ستتحدى تلوث الهواء وتخاطر بالموت اختناقاً، عوضاً عن الموت جوعا وقهرا!

وفى رصد للصورة الفوتوغرافية لعالمنا اليوم تقول الحقائق: أن إنتاج الغذاء فى العالم يتأرجح بشدة من شهر لشهر ومن موسم لموسم بحسب المكان الذى تعيش فيه، مزيد من الناس يجوعون أكثر مما كان الوضع عليه، المناطق المناخية تتزحزح لدرجة أن مناطق جديدة باتت صالحة للزراعة كمنطقة آلاسكا بينما جفت مناطق أخرى كالمكسيك وكاليفورنيا، ولا تزال مناطق أخرى غير مستقرة بسبب الحرارة المرتفعة، ناهيك عن الفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير، وهذا يجعل إمدادات الغذاء عموما أمرا غير متوقع أو مضمون، لكن الأمر المؤكد برغم ذلك أنك تملك الغذاء ما دمت تملك المال، لقد تباطأت التجارة العالمية (فى الغذاء)، عندما توقفت بلدان كالصين عن التصدير، وباتت تسعى للتحويط على مواردها.

 الكوارث والحروب تلوح باعاقة طرق التجارة، وطغيان «العرض والطلب» بات الآن أمراً لا يغتفر، فبسبب ندرتها باتت الاغذية غالية الثمن، وانعدام المساواة فى الأجور كان موجودا باستمرار، لكنه لم يكن أبدا بهذه الحدة والخطورة، كل بلاد العالم تعانى من جائحات سوء التغذية وإعادة الإنتاج تباطأ بشكل إجمالى، لكنه يتباطأ بصورة حادة فى تلك الدول التى تعانى من ندرة فى إنتاج الغذاء، معدلات وفيات الأطفال ترتفع للسماء والمساعدات الدولية قد برهنت سياسيا على استحالة قدرتها على الدفاع فى ضوء الفقر الجماعى، الدول التى لديها ما يكفى من طعام عقدت العزم على التحوط على ما لديها، والعجز عن الوصول للأغذية الرئيسية كالقمح والذرة والأرز، قاد لانهيارات اقتصادية وانتفاضات مدنية بأسرع مما كان يتخيل سابقا، أكثر علماء الاجتماع تشاؤما، لقد حاول العلماء تطوير أنواع من الأغذية الرئيسية البديلة عن القمح والأرز يمكنها أن تصمد فى وجه الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والملوحة، لكننا بدأنا متأخرا، الآن نحن ببساطة لا يوجد لدينا ما يكفى لإطعام سكان الأرض، ونتيجة لذلك فإن انتفاضات الجياع والانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، تلقى بأكثر دول العالم هشاشة إلى نيران الأتون، وبينما تسعى بلدان العالم المتطورة لإغلاق حدودها بوجه الهجرات الجماعية، تشعر هى أيضا بوطأة التداعيات، البورصات تتخبط والعملات تتذبذب والاتحاد الأوروبى (انفرط عقده)، فكما التزم الاتحاد كدول بالحفاظ على الثروة والموارد داخل حدود كل منها، هم أيضا عازمون على أن يبقوا الناس خارج حدودهم، إن أغلب جيوش هذه الدول الآن تزيد من تسليح قوات حرس الحدود، والهدف هو الإغلاق التام، لكنها لم تصل بعد للنجاح الكامل، فالشعوب اليائسة ستجد دائما لنفسها طريقا.

وفى التاسع من شهر سبتمبر 2020، كانت هناك صورة أشد وضوحا، لما أعدته لنا التغيرات المناخية فى 2050، إذ أصدر مركز للأبحاث متخصص فى رصد مؤشرات السلام والإرهاب فى العالم تقريرا أكد فيه أن مليارا و200 مليون نسمة من سكان العالم سيتشردون بحلول منتصف هذا القرن، غالبيتهم من باكستان وإثيوبيا وإيران – بالترتيب – ثم هايتى، وأنه فى هذه الدول حتى أقل التهديدات البيئية والكوارث الطبيعية، يمكنها التسبب فى تشريد عدد ضخم من السكان بمقدوره التأثير على الأمن الإقليمى والدولى.

وقال تقرير معهد الاقتصادات والسلام المعنون (سجل التهديدات البيئية)، أنه على مدار العقد الماضى ازداد عدد الصراعات الدولية الموثقة ذات الصلة بشح المياه بنسبة 270 بالمائة، فمنذ عام 2000، وقعت أغلب هذه الصراعات فى اليمن والعراق وهو ما أظهر الصلة ما بين ضغوط المياه الحادة وحالة السلم، كما أظهر مؤشر السلام العالمى لعام 2020، أن البلدين هما الأقل سلمية فى العالم، واليوم يعانى 2.6 مليار نسمة من ضغوط شح المياه المرتفعة أو الحادة وبحلول 2040 سيرتفع عددهم إلى 5.4 مليار نسمة أى أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية، يقطن غالبيتهم فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا وجنوب غرب أوروبا، وأسوأ البلدان تأثرا ستكون لبنان وإسرائيل والعراق وسنغافورة، فيما ستتأثر بدرجة ما كل من الصين والهند، وبالنظر إلى الصراعات السابقة المتعلقة بالمياه، فإن هذا العنصر البيئى المترتب على ارتفاع درجة حرارة الأرض، سيقود للمزيد من التوترات وخفض الاستقرار العالمى.

وفيما يتعلق بكوارث الجفاف وإزدياد حدة العواصف يقول التقرير: إن الفيضانات كانت الكوارث الطبيعية الغالبة على العالم منذ 1990، وكان أبرزها ما وقع فى الصين 2010 ما أفضى لتشريد 15.2 مليون نسمة، وهناك 19 دولة فى العالم يتهددها ارتفاع مستوى سطح البحر بالغرق، قد يتأثر ما لا يقل عن 10 بالمائة من سكانها بهذه الكارثة، والتداعيات الأبرز ستكون على المناطق الساحلية المنخفضة فى الصين وبنجلاديش والهند وفيتنام وإندونيسيا وتايلاند على مدار العقود الثلاثة المقبلة، كما ستتهدد المدن ذات التعداد السكانى الضخم كمدينة الإسكندرية فى مصر وأوساكا فى اليابان.

وفيما يتعلق بانعدام الامن الغذائى، قال التقرير: إن الطلب على الغذاء سيتزايد بنسبة 50 بالمائة بحلول 2050، ما يعنى أنه من دون زيادة جوهرية فى المعروض، فإن مزيدا من البشر سيتعرضون لخطر الجوع، وبينما يعانى 2 مليار نسمة حاليا من ضعف القدرة فى الحصول على الغذاء الكافى، فإن هذا الرقم قد يصل إلى 3.5 مليار نسمة بحلول 2050، وهو أمر سيؤثر بدوره على الاستقرار العالمى، أن الدول الخمس الأقل أمنا غذائيا فى عالم اليوم، هى سيراليون وليبيريا والنيجر ومالاوى، حيث يعانى أكثر من نصف سكانها من عدم اليقين فى الوصول للغذاء الكافى لصحة أبدانهم، وقد رفعت جائحة كورونا من مستويات أزمتهم، وبالنظر لارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية، فهناك احتمال كبير لانعدام الاستقرار الاجتماعى بفعل التغيرات البيئية فى المستقبل، وفى الدول ذات الدخول المرتفعة تتنامى ظواهر قلة التغذية بمعدل عال قدره 2.7 بالمائة، ما يعنى أن واحدا من بين كل 37 فردًا لا يملك الطعام الكافى للأداء البدنى الطبيعى، قلة التغذية فى البلدان النامية هو منتج أساسى للفقر، فدول مثل كولومبيا والمكسيك وسلوفاكيا هى الأعلى فى معدلاتها.

من الممكن أن تستخدم المساعدات كآلية لبناء الاستقرار بمواجهة الصدمات البيئية - كما يقول التقرير- المتمثلة فى الجفاف وضغوط المياه وانعدام الأمن الغذائى فى الدول النامية، وقد تضاعفت المساعدات المتصلة بتأثيرات المناخ 34 مرة خلال 18 سنة الأخيرة، من مليار دولار سمة 2000 إلى 34 مليار دولار عام 2018 أنفقت فى غالبيتها على دول الساحل الإفريقي وجنوب آسيا، وقد تلقت الهند المبلغ الأضخم من هذه المساعدات فى 2018 بقيمة 6.5 مليار دولار، وعلى الرغم من أهمية هذه الزيادات فإنها لن تكون كافية لما هو مطلوب لمعالجة ما سيستجد خلال 30 سنة المقبلة، فما الذى يمكن أن يصل إليه التحليل الجيوسياسى لهذه المعلومات؟

نحو 60 بالمائة من أنهار وبحيرات الماء العذب فى العالم يتم اقتسامها بين أكثر من دولة، ما يسمح لطرف بأن يفرض (نفوذه السياسى) على الآخر، وبالذات طرف دولة المنبع، فإذا ما وضعنا فى الحسبان مشكلات التلوث البيئى والتغير المناخى، سنجد أننا فى حالة انعدام عدالة مطلق فى التوزيع، وبالنظر إلى أن 23 دولة تحظى بثلثى مصادر المياه على هذا الكوكب، بينما الثلث الباقى موزع بشكل عشوائى على باقى دول العالم، يمكننا أن نتلمس فداحة التهديدات الأمنية التى يحملها التغير المناخى فى جعبته.

الأرقام ترسم صورة اكثر قتامة عن وضع ندرة الماء، فالاحصاءات تؤكد أن عوامل التغير المناخى باتت تقلص من حجم الأنهار والبحيرات العذبة، وحتى القمم الجليدية التى تغذى الأنهار الصغيرة، فى وقت تتراكم فيه الضغوط من ناحية تزايد سكان الأرض، وتزايد معدلات التصحر، وهو أمر يتهدد معظم مجتمعات العالم بعدم الاستقرار الاجتماعى، وهو أمر لا يمكن تفاديه، وبالنظر للخرائط سنجد أن البحار والمحيطات (الماء المالح) يشكل 70.8 بالمائة من سطح الأرض، بينما لا تشكل مساحة (الماء العذب) سوى 2.5 بالمائة من مساحة هذا الكوكب، وللعجب فإن القمم الجبلية الثلجية تؤسس لنحو 70 بالمائة من العذب الجارى فى العالم، هذه الندرة كانت وراء الكارثة الثانية بعد كارثة تسلط دول المنابع على شركائها، كانت وراء سيلان لعاب القطاع الخاص للتربح، واعتبار الماء سلعة كغيرها من السلع، لا محض حق منحه الله للبشر دون أن يسألهم عليه جزاء ولا شكورا!

لقد كان الاستثمار فى هذا المجال يجرى تحت بصر القوى ذاتها، التى اختارت تسييس حقوق الإنسان عندما صدر تقرير الأمم المتحدة فى 2012 بشأن تحقيق أهداف الألفية، الذى أقر بوضوح وقتها أن طفلا يموت كل 21 ثانية من العطش، وأن 443 مليون يوم دراسى يتم فقدانها سنويا، لأسباب تتعلق بالبحث عن الماء، وأن هذه الأرقام فى غالبيتها تقع فى مناطق ندرة المياه فى الساحل الإفريقي، لكن يظل الأكثر لإثارة للدهشة، هو موعد صدور التقرير الأممى، الذى جاء فى أعقاب تدشين إثيوبيا لسدها الضخم، لتحل أمرا واقعا استثمارا لمناخ الفوضى الدولية، الذى جاء لتمكين العطش الشامل وبوار الأرض، فى واحدة من أخطر التحديات للأمن الإقليمى!

أن مزيج الفقر والجوع وارتفاع الحرارة وتلوث الهواء وغرق المدن وعولمة الخوف وتطور الاتصالات الرقمية، وفقدان الحريات السياسية بفعل الكراهية والقمع المتبادل لوجهات النظر والانقسامات الاجتماعية، وكلها كطبقات ترتبت وتراكمت على بعضها البعض، ترسم صورة لمستقبل دموى تتزايد فيه الصراعات المسلحة، فى وقت ستختفى فيه قواعد الاشتباك، بينما ستعمل شبكات الاتصال فى جيلها السادس على إخفاء الحدود بين ما هو رقمى وما هو مادى، نرى أن النفوذ النهائى للجغرافيا سيمهد العالم للتسليم بضرورة مراجعة كل شيء: الجوع والشبع، والطموح والطمع، الاحتياج والاكتفاء، والأهم: أن دما أكثر مما سكب فى القرن العشرين ستمتصه الأراضى المقفرة والسماوات المسممة، بالأكاسيد المحتبسة المرتدة إلينا فى القرن الحادى والعشرين، ما لم نحسم أمرنا ونوقف هذه الحرب المناخية، فورا.

كلمات البحث