Close ad

لم يعد هناك من يقول (هنا لندن)

9-10-2022 | 16:49
الأهرام المسائي نقلاً عن

لسنوات طويلة اعتدنا سماع دقات ساعة (بيج بن) على رأس الساعة من القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، (بي بي سي)، يعقبها صوت أحد المذيعين مُعلِنًا (هنا لندن).

لأصوات مذيعيها بصمة خاصة، تأتي محملة بمطر عاصمة الضباب وأفقها الرمادي، تُذكرك بالمعاطف الثقيلة ومظلات المطر. كان المذياع سيد رسم الصورة بالصوت.

نفتح أعيننا صباحًا على نشرة (العالم هذا الصباح)، وأثناء الغداء برنامج (عالم الظهيرة)، وفي المساء نطوف (حول العالم). تتداعى أصوات المذيعين بإيقاعاتها المميزة الفريدة، مزيج بين تأثير البيئة على اللهجات، وإتقان اللغتين العربية والإنجليزية. مديحة رشيد المدفعي، جميل عازر، محمود المسلمي، فاروق الدمرداش، هدى الرشيد، محمد الصالح الصيد، أفتيم قريطم، عارف حجاوي، أيوب صديق. كان كل منهم مدرسة مستقلة. نخبة النخبة من المذيعين العرب. مدينة كل مبانيها ناطحات سحاب.

تقدم رواية (آليس في بلاد العجائب)، للكاتب الإنجليزي تشارلز دودسون، رسالة مفادها تفاوت حجم الإنسان مقارنة بما حوله. ما أن شربت الفتاة آليس من القارورة حتى صَغُرَ حجمها واستطاعت الانزلاق عبر جحر الأرنب إلى عالم عجيب بدت فيه الحيوانات عملاقة، وعندما تناولت الكعكة عادت لحجمها الطبيعي وصَغُرَت الحيوانات.

شرب العالم العربي من قارورة سحر (بي بي سي)، برامج متنوعة رصينة وتحليلات عميقة ولقاءات مع أعلام فتحت نوافذ الفكر على مصراعيها، فضلاً عن الخبر اليقين، حلوه ومره.   

ما إن تتلبد السماء بغيوم الأخبار حتى تسارع الأنامل تدير قرص الراديو الترانزستور نحو الموجة المتوسطة 99,7. نتعجل مرور الوقت لسماع دقات (بيج بن) إيذانًا ببدء النشرة الإخبارية، أو يقطع المذيع سرده ويقول بصوت جاد (جاءنا الآن هذا النبأ)، كما حدث مع مديحة رشيد المدفعي حال اندلاع حرب أكتوبر73. كم كانت النغمة مختلفة عن نظيرتها في67.

تأسس القسم العربي يناير 1938. أول لغة أجنبية تبث بها الإذاعة البريطانية برامجها، ثم تداعت اللغات تباعًا. وفي عام 1994 بدء البث التليفزيوني ثم توقف بعد عامين. وفي عام 2008 أطلقت قناة تليفزيونية إخبارية متخصصة.  

للإذاعة البريطانية ذكريات عديدة أهمها –على المستوى الإنساني- نشرة أخبار السادسة صباحًا والواحدة ظهرًا بتوقيت جرينتش، (ساعتان قبل توقيت القاهرة)، موعدان مقدسان حرص عليهما الوالد رحمه الله.

 فضلاً عن البرامج الإخبارية قدمت مسلسلات أشهرها (ناس بالألوان الطبيعية)، مدينة تعيش دون رابط أو ضابط. لا يشغل مجلس إدارتها سوى إبراء ذمته من هجوم الفئران على الحقول والمخازن والبيوت كل صيف. اجتماعات مطولة من الصباح حتى المساء تنتهي بجملة مكررة (خاليين مسئولية) مع حث سكان المدينة على التحلي بالصبر فالشتاء على الأبواب. وكما جاء الشتاء واختفت الفئران، رحل أيضًا، وحل الصيف بضيوفه. مسلسل رمزي تحمل أحداثه الكثير من المعاني.

كانت (بي بي سي) مدرسة قائمة بذاتها اقتدت بها القنوات الفضائية الإخبارية العربية واستقطبت كثيرين من مبدعيها للعمل بها.

ولأن التغيير هو الثابت الوحيد، مرت الأيام واجتاحت الثورة الرقمية الجميع، وبدلاً من أن نجري خلف الخبر، راح الخبر يطاردنا. أصبحت أنت عزيزي القارئ أحد أهم مصادره. تحولت زخات مطر مقاطع الفيديوهات والصور السابحة في فضاءات الإنترنت لمصدرٍ رئيسي للأخبار. أطاح فيديو واحد برئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وآخر بوزير الصحة. والأمثلة كثيرة.

حاولت (بي بي سي) التماسك أمام العاصفة، لكن أعاصير الأزمة المالية والحرب الروسية الأوكرانية وضعها في الزاوية، لتقرر الحكومة البريطانية إغلاق المحطة بعد نحو 84 عامًا من بدء تشغيلها. لم يعد هناك من يقول (هنا لندن) !!

[email protected]

كلمات البحث