Close ad

الخباز والطاهي والفلسفة

2-10-2022 | 16:16
الأهرام المسائي نقلاً عن

كان أول ما تعلمه ميلاد من أبيه الخباز؛ أن سر الصنعة يكمن في مقدار ما يسكبه الخباز من حُبٍ في عجينه، فالمكونات معروفة للجميع؛ دقيق، وخميرة، وماء، وبعض ملح. ويظل لكل خباز بصمة خاصة لا تتكرر.

فاز الكاتب الليبي الشاب، محمد النَعَّاس، بالجائزة العالمية للرواية العربية، البوكر العربية، هذا العام عن روايته (خبز على طاولة الخال ميلاد).

على خلاف رأي النقاد، أرى الخبز شخصية رئيسة تنازع ميلاد دور البطولة. عبر الصفحات تشم رائحة العجين المفعم بالخميرة وأحيانًا تدهمك رائحته لحظة نضجه وخروجه من فوهة الفرن.

أورثه والده فن صناعة الخبز بعد ما تعلمه على يد خباز إيطالي، يهيئ لعجينه المكان النظيف المناسب؛ هواء متجدد وشعاع شمس يتسرب من الشُراعة العالية لطيفًا يُداعب ذرات الدقيق العالقة في الجو. ينتظر تخمره المثالي، ويتأمله بعين عاشق. يراه كائنًا حيًا مفعمًا بالمشاعر والأحاسيس. يتأثر بما حوله. كان حبه للعمل سر إبداعه.

في روايته (ظلال شجرة الرمان) يقدم الكاتب الباكستاني الأصل الإنجليزي الجنسية طارق على، شخصية هامشية بالغة الدلالة. ورث القزم فن الطهي عن أبيه عند عائلة عربية ثرية بغرناطة. اعتاد العمل دون انتظار كلمة شكر يجود بها أهل البيت عليه. على الجانب الآخر يغالبه دائمًا شغف معرفة رأيهم في أطباقه. من إقبال العائلة على طعامه وطلب بعض الأكلات بالاسم يطمئن إلى تميزه، فيرتفع مستوي ثقته بنفسه ويواصل رحلة ابتكاراته في فنون المائدة، بداية من الفطور إلى الولائم الكبيرة التي يتباهى بها سيد الدار من باب كرم الضيافة العربية وطمعًا في قوة ناعمة يكتسب بها مكانة فوق مكانته.

يعد القزم لكل فرد في الأسرة ما يوافق مِزاجه الخاص. من أطباقه سَمِنت النحيفات، وحافظت الرشيقات على قدودهن الممشوقة وانسجمت انحناءاتهن واستقامتهن، ووقفن بها في منطقة الما بين، لا نحافة تسحق أنوثتهن ولا امتلاء يشوههن، قدود يعمل عليها خراط الجمال والدلال على مدار الساعة بلا كلل ولا شكوى.

اعتاد القزم التلصص على الأسرة وقت تناول الطعام، يترقب اقتناص تعليقٍ شارد على أطباقه. وبقدر ما عاد إلى غرفته المتواضعة مزهوًا بنفسه، يطير في الفضاء بأجنحه ثنائهم عليه، بقدر ما عاد مخذولًا يجر ساقيه بعد ما جرفت هموم الأسرة حديثها بعيدًا عن أطباقه الشهية.

في خفة ورشاقة، أصدر الأديب المصري عمر طاهر كتابه (كحل وحبهان)، لا تشك للحظة أن المؤلف طباخ أريب. ورث الابن حب المطبخ عن أمه، ثم تطور إلى فلسفة يُقَيم بها دور كل صنف للوصول بالطبق إلى أوج كماله؛ شكلًا وموضوعًا. يقارن في رشاقة وعمق بين أصناف الأطعمة.

تكمن شطارة الطاهي في مساعدة مكونات طعامه على بذل أفضل ما عندها، العصارات الخفية، رشة الثوم بالكُسبرة على حلة الملوخية الخضراء، الفراخ البلدي المحمرة بلونها الذهبي تزين السفرة إلى جوار سرفيس المحشي المرصوص عليه الباذنجان الأبيض والفلفل الأخضر وأصابع ورق العنب يعلوها ثمرة طماطم ارتاحت بداخلها حبات الأرز مع خلطة محشي نامت فوقها شريحة بدت كقبعة تعلو رأس سيدة أرستقراطية أنيقة.

ثلاث روايات من ثلاث بلدان، تأثر ولدان بأبيهم، والأخير بأمه. جمع بينهم عشق المطبخ. لم يكن سر إبداعات كل منهم اتقانه فن الطهي، كان الشغف بالعمل والرغبة الدائمة في التطوير هما السر.

جميع مكونات الطعام في الأسواق، ووحدها القلوب تسكب فيه من أسرار الحب ما يجعله مختلفًا. إنه النفَسْ!!.

تهدي السيدة جارتها أحد أطباقها، وتظل تتحرق شوقًا لسماع رأيها.

عشق ميلاد خبزه، وهام الطاهي بمطبخه، واختزل فيه عمر فلسفة الحياة.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة