Close ad
25-9-2022 | 12:47

لا أعرف لماذا كلما اقتربت المحليات من حديقة في مصر لتطويرها زعق الرأي العام بالصوت والهلع والمخاوف من نية الهدم لأغراض البيع والاستثمار.

 حدث ذلك أخيرًا مع الحديقة الدولية في مدينة نصر شرق القاهرة، وقبل أسابيع في حديقة أنطونيادس بالإسكندرية، وقبل سنوات قليلة مع حديقة الميرلاند في مصر الجديدة، وأيضًا نفس الحكاية قديمًا مع حديقة الحيوان بالجيزة في زمن مبارك وحكومة نظيف.
 
ما المعضلة في هذا الأمر؟!

 إن الإجابة لن تخرج عن احتمالات قليلة العدد، يمكن أن يكون إحداها هو السبب الرئيسي للحالة التي نحن بصددها.. 
 
أولها: أن المحليات وبتوجيهات حكومية تريد إخراج هذه الحدائق من الخدمة لإعادة استثمارها في المزيد من الأبراج والمولات والمحال التجارية مع ترك هامش أخضر متواضع للإبقاء على الاسم. 
 
ثانيها: أن المحليات تسعى إلى تطوير مزدوج للحديقة؛ بحيث يضاف إلى المكان أنشطة استثمارية ترفيهية تدر دخلًا مناسبًا ومتوقعًا من المكان المميز الذي تشغله الحديقة، مع رفع ثمن تذاكر الدخول. 
 
وثالثها: أن الحكومة لم تعد تهتم بإنشاء الحدائق بصفة عامة، وهو ما يجعل الرأي العام يخشى على ما بين يديه من حدائق قديمة أنشئت قبل عشرات السنين. 
 
ورابعها: أن الحكومة بريئة، وأنها لا تريد أي شيء مما يقال أو يتردد وإنما الشائعات هي التي تقف وراء تشويه كل إنجاز.
 
ويمكن أن تكون الأسباب كلها مجتمعة وراء هذا التخبط الذي يثير الشكوك بين الحكومة والرأي العام.
 
وفي الدفاع الصادر عن مشرفي الحدائق في القاهرة والإسكندرية تكمن سطور تتحدث عن أن هذه الحدائق تتعرض لإهمال طويل، ولم تمتد إليها يد التطوير، وأن ما يجري هو تحديث وإحياء وإنقاذ.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في عدم قدرة أو تصور المسئولين عن قرارات "تطوير" الحدائق على مخاطبة الرأي العام قبل الإقدام على خطوات التحديث، سواء عن طريق الإعلام، أو عن طريق الحوار المباشر مع الجوار العمراني للحدائق، ومن هنا تجد أطراف وتيارات الرأي العام السريعة نفسها في حوار ذاتي وصارخ تضيع فيه الحقائق.
 
والمشكلة الرئيسية أيضًا تكمن في عدم تقديم الأجهزة المحلية في السنوات الأخيرة ما يفيد بتقديرها لفكرة "حديقة الحكومة" في عمليات تنفيذ وتخطيط المدن والأحياء الجديدة.
 
بينما هي تنظر باستمرار للعوائد المباشرة للاستثمار، ذلك المتمثل في بيع أو تأجير أو تخصيص أماكن للبيع والترفيه على حرم الطرق.
 
أما الحدائق فهو استثمار ذات عوائد طويلة الأجل، لأنها تدخل في باب الجماليات ورئات المدن وفكرة الفراغات والطاقة الكامنة في المساحة المفتوحة، وترك شيء أو مساحة للأجيال القادمة، كذلك ارتباطها بنوعية المناخ الذي يمكن أن نعيش فيه.
 
في مدينة 6 أكتوبر حيث أسكن، يوجد 12 حيًا من الأول حتى الثاني عشر، والحي المتميز، وغرب سوميد والتوسعات الشمالية وجنوب الأحياء وغيرها، والمدينة الصناعية بمناطقها الستة، ولا توجد حديقة واحدة، ربما ثماني سنوات من السكن ليست كافية لأعرف أن هناك حديقةً في مدينة 6 أكتوبر، لكنني كنت شديد التفاؤل بأن الأمر لن يُترك هكذا، فالحي التاسع أرض فضاء، ستتحول حتمًا إلى حديقة، كلها أو نصفها أو أجزاء منها، لكن قبل أشهر قام جهاز المدينة ببيع أراضي الحي التاسع بأكمله، وبدأت العمارات تعلو والحفر يكتسح ولافتات البيع تظهر..
 
لا أعرف موقف الأحياء والمدن الجديدة الأخري.. لكن لو أن الحكومة أرادت أن يتوقف سيل الانتقادات والمخاوف على الحدائق التي تملكها، فإنها يجب أولا أن تضع خطة تخصيص لحدائق جديدة تبرهن بها على قناعاتها بالاهتمام بفكرة ودور الحديقة في التخطيط العمراني، ثم تسأل الرأي العام قبل الاقتراب من تطوير أي من حدائقها القديمة، ولأن هذا لا يحدث فإن الحكومة تنفق وقتًا أطول في الرد على الشائعات وفي مناشدة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تحري الدقة.
 
إن الحكمة هي تحقيق توافق ما بين التطوير العمراني في الأماكن التي تحتاج إلى هذا التطوير وبين تحقيق معدلات ومتطلبات الحياة السليمة.. ليس كل مكان خال نزرعه بالأسمنت، وإلا نكون كمن ينقل فلسفة وطرق عيش الأحياء القديمة المختنقة إلى الأحياء الجديدة.
 
وأتذكر بتقدير واحترام حملة الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين في بداية الثمانينيات من القرن الماضي والتي أنقذت أرض كلية دار العلوم في شارع المبتديان بالسيدة زينب، فقد تقرر نقل الكلية إلى مقر جامعة القاهرة وإخلاء الأرض وإقامة مساكن بها، فقام الكاتب الراحل بحملة مطالبًا بحديقة، وكانت السيدة زينب، ولا تزال من أكثر مناطق القاهرة ازدحامًا، وهي الحديقة المقامة حاليًا، صحيح أن أنشطة ترفيهية تملأها الآن، لكنها تظل حديقة وسط العمائر والزحام من حولها. 
 
إن المخزون الإستراتيجي من الأماكن الخضراء وسط المدن يتقلص، والمطلوب بإلحاح زيادته بكل الوسائل، وبدايتها عن طريق إيمان المحليات وتوجيه الحكومات والقائمين على التخطيط بأهمية الحدائق، والتي لن يقيمها الأفراد، وإنما هي حدائق الحكومة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة