Close ad

انتهاء الزعامة الأمريكية!

24-9-2022 | 09:44

 
 الحرب الأوكرانية الروسية أوسع نطاقاً مما تبدو..
أوكرانيا ليست إلا مسرحاً لأحداث سابقة وتالية دارت فى الأساس بين روسيا من جانب وبين الولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر، والهدف أبعد من مجرد أطماع روسية محدودة فى مساحة من الأرض أو البحر.. بل لم تكن روسيا هى بادئة ولا راغبة فى الحرب، وإنما استفزتها أمريكا رغبةً فى تأكيد سيطرتها وزعامتها العالمية.. تلك الحرب التى بدأتها أمريكا وجرت إليها الدب الروسي عندما لوحت له بجزرة أوكرانيا أثبتت بمجرياتها أننا على وشك رؤية راية الزعامة الكوكبية تسقط قريباً جداً..
 اللاعبون الأساسيون فى الحرب الأوكرانية تضاعفوا وبدأوا يبرزون للساحة تباعاً .. فأوروبا وإن كانت متورطة قسراً لارتباطها باتفاقية دفاع مشترك تتمثل فى حلف الناتو، فإنها ليست كلها كتلة واحدة ضد روسيا، بل هناك دول مرتبطة بمصالح اقتصادية عميقة معها كألمانيا مثلاً.. ثم إن روسيا ذاتها لا تقف وحيدة فى هذا المعترك، بل تقف معها الصين التى تكاد تطاول أمريكا فى مؤشرات القوة والسيادة.. هكذا رفع الأربعة الكبار راياتهم فى وضوح وسفور أمريكا وروسيا والصين وأوروبا، ليكتشف العالم أنه يقف فى مواجهة عملية كبرى لإعادة ترتيب موازين القوى ولإعادة هيكلة مطبخ السياسة الدولية من جديد..
 تلك الحرب جرَّت مع الوقت لاعبين آخرين اضطروا للدخول فى معتركها راغمين بسبب تشابك المصالح.. هؤلاء اللاعبون الاحتياطيون لهم أثر كبير فى مجرى الحرب سلباً أو إيجاباً.. فهناك إيران وتركيا وإسرائيل.. وتلك الأخيرة باتت فى مرمى الاستهداف الروسي لأسباب عدة أهمها كونها الطفل المدلل لأمريكا عدو الروس.

هكذا أدخلت إسرائيل نفسها فى حسابات إعادة الترتيب والهيكلة ولاشك أنها ستغدو ورقة من أوراق اللعب فى ساحة الصراع..
 
ففي الوقت الذي تفرض الولايات المتحدة عقوبات على روسيا وإيران، حماية لمصالح إسرائيل، توقع الصين معهما اتفاقيات تعاون إستراتيجي تلتف من خلالها على العقوبات وتفاوض بقوة علي دورها ومكانها علي قمة الهرم العالمي . 
هكذا باتت إيران النووية فى منأى عن التهديدات الإسرائيلية بعدما ارتمت فى أحضان التنين الصيني من ناحية والدب الروسي من ناحية أخرى.
 
أمريكا والصين.. الصين هي المنافس الفعلي للولايات المتحدة، وهي المرشحة لتحل محلها كقوة اقتصادية عالمية. والجميع يعلم أن الذهب هو الذى يتكلم فى عالم تحكمه المصالح ولا يتفاهم إلا بلغة المال، لهذا فمن يهيمن على الاقتصاد يتحكم بالقرار السياسي العالمى، كأن الحرب فى حقيقتها تتحرك فى هذا الاتجاه بالذات.. ولذلك طورت الولايات المتحدة، خصوصا منذ سنة 2012، خلال حكم باراك أوباما، سياسة احتواء الصين وتطويقها عسكريًا، خصوصًا من البحر، بتعاون وثيق مع بريطانيا وأستراليا، فضلا عن حلف الناتو والقواعد الأمريكية الضخمة بأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، لإحكام السيطرة على مناطق المحيط الهادئ والهندي، وجنوب آسيا.. كل هذا فعلته أمريكا لا لسبب إلا تأكيد سيطرتها الاقتصادية على مقاليد الأمور ومنع الصين من الصعود الذى بات وشيكاً.. 
لهذه الأسباب، ولغيرها، يمكن اعتبار أمريكا ، وذراعها العسكرية (الناتو) أهم عامل من عوامل زعزعة الاستقرار وشن الحروب، فهى بذلك تمثل التهديد الأكبر لمستقبل الشعوب وللسلام في العالم..

أزمة أوكرانيا ليست حدثًا منعزلاً قائماً بذاته، بل يندرج في سياق تاريخي لا ينفصل عن تاريخ أوروبا، خاصة تاريخ ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا، وهي الدول التي تنافست فيما بينها، منذ القرن التاسع عشر، لاحتلال بلدان إفريقية وآسيوية في إطار الاتجاه الطبيعي لتوسع رأس المال، من أجل غزو أسواق جديدة، كمنافذ لفائض الإنتاج ولرأس المال، وكمصدر للمواد الأولية.

هكذا استخدمت أوروبا رأس المال الذى جنته من احتلالها لشعوب الأرض إما للتوسع أو لحل الأزَمات أو للحرب.. لكن الذى حدث أن كل هذه القوة التى امتصتها من شعوب الأرض قسراً لم توفر لها القدرة على الريادة العالمية؛ فقد تمكنت الولايات المتحدة من التفوق الاقتصادي على أوروبا، ومن قيادة العالم الرأسمالي، بفعل زيادة الإنفاق العسكري، منذ الحرب العالمية الأولى، وبفعل عدم تعرض أمريكا الشمالية إلى أي حرب على أراضيها، فاستثمرت الولايات المتحدة في إعادة إعمار أوروبا، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، ما خلق تغييرا لصالحها في ميزان القوى الاقتصادي، لا يزال مستمرًّا، بل ازداد حدة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ثم التحقت الصين بحلبة المنافسة الرأسمالية، لتهتز مكانة الولايات المتحدة، كقاطرة للاقتصاد الرأسمالي العالمي.. 

الآن جاء الدور على حضارة أمريكا لتنحدر وتتراجع، بعد أن أعلنت الصين عن نفسها كلاعب عالمى أساسي، وبعد أن عادت روسيا للساحة تراودها أحلام عودة أمجاد الاتحاد السوفيتي السابقة.. لكن أمريكا لم تقف صامتة إزاء هذا التغير المنذر بسقوط العرش..
لجأت الولايات المتحدة لزيادة الإنفاق العسكري، وتصريف إنتاجها الحربي عبر حلف شمال الأطلسي، لكي تؤجِل انحدارها، وفقدانها المركز المهَيْمِن على العالم، وهو انحدار بطيء، قد يستمر عدة عقود، لأن الدولار لا يزال مهيمنا على الاقتصاد العالمي والتحويلات المالية وتقويم أسعار المواد الأولية والمبادلات التجارية، ولأن الولايات المتحدة تتحكم بنظام الاتصالات والشبكة الإلكترونية، وما إلى ذلك، ويسمح الدولار (كعملة صَرف وعملة احتياطية عالمية) للولايات المتحدة بتمويل العجز الكبير في ميزانية الدّولة وعجز التجارة الخارجية، من خلال طَبْعِ المزيد من الدّولارات، دون أن تُقابلها قيمة إنتاجية.

فهل تظل قوة الدولار وريادته قائمة؟ أم أن دخول اليوان الصينى والروبل الروسي على الساحة العالمية قد يغير موازين الاقتصاد العالمية.. 

نحن على أعتاب فصل الشتاء، وأوروبا ستتجمد من البرد إن لم يأتها المدد الروسي بالغاز المطلوب للاستدفاء..
فهل تخضع أوروبا للضغط الروسي ويصير تعاملها الأساسي بينها وبين آسيا بعملات أخرى خلاف الدولار، لو حدث هذا واستمر فقد هوت قوة الدولار أو كادت تهوى. 

وعلى إثرها سيتعرى الاقتصاد الأمريكي وتنكشف سوءاته وعلى رأسها ديون أمريكا والتى تربو على 30 تريليون دولار، والأدهى أن أكثر هذه المديونيات فى قبضة الصين!

أوروبا ليست بعيدة عن محاولات الفكاك من قبضة الدولار، بل إن الدول الأوروبية (ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وغيرها) دول رأسمالية متوحشة، من ضمن دول "المَرْكَز" (في مقابل دول "المُحيط") وأنشأت عملتها الموحّدة (اليورو) في محاولة لمنافسة الدولار، أو الاستقلال عنه، وأصبح ثاني أكبر عملة احتياطية عالمية، وإن بفارق كبير عن الدولار، ولم تنجح محاولات أوروبا في بناء قوة عسكرية موحدة، وبقيت متأَرْجحة بين انتماء جل أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى حلف الناتو، من جهة، وبناء قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة، من جهة ثانية…

ولئن كانت الولايات المتحدة في مركز قوة عسكرية ومالية، فإنها دولة تمتص دم الشعوب الأخرى من خلال شركاتها الكبري وإقراضها للحكومات وسيطرتها على التجارة العالمية والبنوك وسائر آليات الحركة الاقتصادية الكوكبية.. أمريكا لا تعتمد فى الأساس على الاقتصاد المُنتج وتطوير القوى العاملة. بل على قوة مجمع الصناعات العسكرية، وعلى الإنفاق العسكري الضخم الذي تستخدمه أمريكا لخوض الحروب العدوانية من جهة، وللهيمنة على أوروبا وأستراليا وآسيا من جهة، وبيع جزء من تقنياتها العسكرية من جهة ثالثة.

أمريكا لديها اليوم ثمانمائة قاعدة عسكرية منتشرة في أرجاء العالم. 

وقد أعادت تمركز هذه القواعد قبيل الحرب الأوكرانية والقلاقل التايوانية.. فأصبحت القواعد الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي على حدود روسيا من أجل شلِ أي محاولة لاندماج روسيا في القارة الأوروبية، وفي هذا الإطار جاء إجهاض خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2” الذي يضمن إمداد أوروبا الغربية بكميات كبيرة من الغاز، عالي الجودة، وبسعر معقول.. هذا غير القوات التى تحيط ببحر الصين من الجنوب إحاطة السوار بالمعصم..
 
عصر جديد.. متعدد الأقطاب
هناك أزمتان متتاليتان حدثتا فى العالم ولهما ما بعدهما..
الحدث الأول هو أزمة كورونا التى كشفت التفاوت بين التخبط الأمريكي والتفوق الصينى فى التعامل مع الأزمة. ثم جاءت الحرب الأوكرانية لتضع اللاعبين الأربعة الكبار فى المواجهة ولابد أن يكون لتلك الأزمة تبعات سيظهر أثرها بعد انقشاع غبار الحرب وذهاب كل طرف بغنائمه أو بخسائره.
الشئ المؤكد هنا أن الأثر الأكبر فى هذه الحرب سيكون ضد أمريكا ومصالحها. هذا أثر مؤكد نشهد بعض إرهاصاته اليوم. منها ما حدث للدولار من استعداء وهجوم اقتصادى موجه من روسيا والصين معاً، ومنها ظهور أسلحة جديدة على الساحة جعلت قوة التسليح الأمريكية تبدو أقل مما هى فى الأذهان والتصورات وهو ما سيؤدى مستقبلاً لانحسار الهيمنة العسكرية لأمريكا.. فإذا انحسرت الهيمنة العسكرية والاقتصادية لأمريكا فى العالم فبالتأكيد سوف تنهار هيمنتها السياسية. وهذا ما سيتبعه دخول رؤوس أخرى وتطاولها للفوز بالزعامة العالمية.
 لكن ليست كل القوى فى العالَم لديها نفس الحلم الأمريكي فى الهيمنة أو التحول إلى شرطى كوكبي يتحكم فى مصائر الدول والشعوب.. لهذا فإن التراجع الأمريكي لا يعنى بالضرورة أن قوة ما سوف تحل محلها على زعامة العالَم.. بل الأكثر ترجيحاً أننا سنعيش مستقبلاً فى عالَم متعدد الأقطاب.. وربما كانت أمريكا من هذه الأقطاب، وربما انسحبت إلى ذيل القائمة!

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة