Close ad

أأكتب..؟ ما أنا بكاتب..! (الأخيرة)

22-9-2022 | 14:27

(11)
 المستحيل بعينه.. يتجلى في اعتزال الكاتب، مفكرًا كان، أم مبدعًا، أم أي روح من أرواح كوكب أولياء القلم، رضي القراء عنهم..! مهما يتمردون على ملكة الكتابة.. ومهما يثورون على القلم وما يسطرون.. ومهما يرفعون راية اللاجدوى.. فإنهم لا يستطيعون ولن.. لأن قوة المثل الشعبي أشد طغيانا «يموت الزمار وصوابعه بتلعب» ذلكم أن الكاتب لا يعرف تحديد النسل الفكري، فالكاتب هو الرجل الوحيد الذي له كل صفات الأنثى، فلا هو رجل ولا هو أنثى، وإنما هما معا، أو أنه يتجرد من الذكورة والأنوثة، تماما منحلة العسل التي لا هي ذكر ولا هي أنثى، وإنما هي مصنع رحيق فقط، والكائن الوحيد في خلية النحل الذي هو أنثى الملكة، فهي المصنع وهي أم الخلية.. والخلية والنحل والملكة والعسل هي الكاتب في كل وقت، ألا ترى أنها مهمة شاقة أن تحمل سيدة كل هذا العبء ثم إن هذه الزوجة رغم أنها صاحبة فضل كبير تكتفي بأن تعيش في الظل قمرا يعكس ضوء الشمس الذي هو الكاتب، طبقًا لما جاء في أحد حواراتي وجدلياتي مع أستاذنا أنيس منصور.
 
 ( 12)
كثيرون حاولوا الإقدام على الاستقالة المستحيلة، في ثقافتنا وفي الثقافات الأجنبية.. وأستذكر أني طرحت بعضا من هذه الإشكالية في سلسلة ( إلا الطابق السادس في الأهرام) التي نشرتها هنا، قبل حين، إذ قال لي شيخنا توفيق الحكيم في حواره «أنا شجرة موز توقفت عن الطرح» لكنه قدم بعد ذلك من إبداعه روائع جديدة وبديعة، أهمها مثلا «حديث مع الله» الذي أثار عاصفة لم تهدأ إلا بعد فترة، وقال لي د. زكي نجيب محمود «توقفت عن الكتابة فلم يتبق لي إلا جزء من عين وجزء من أذن» وحين تعافى إلا قليلا، وضع على رفوف المكتبة العربية باقة من المؤلفات كان إضافة لتاريخه وتاريخ الفكر مثل «حصاد السنين» و«مجتمع جديد أو الكارثة» و«رؤية إسلامية» وغيرها. 
 
وكان يوسف إدريس أشهر المبدعين بإعلانه الشهير «يموت الزمار...» وبعدها أغوته نداهة الكتابة وسحر نشوتها وسرها، ثم كان استئذان محمد حسنين هيكل في الانصراف عن الكتابة والصحافة، وإذا به يتوهج فكرًا، رغم اشتعال الرأس شيبا، كل هؤلاء العمالقة غالبتهم «نداهة الكتابة» حتي غلبتهم، واستخرجت منهم كثيرًا من الجواهر واللآلئ الفكرية، وأغنوا المجتمع فاغتنى بأطروحاتهم، وأثروا الفكر والوجدان بروائعهم في عالم الكلمة، بعد أن ظلوا في صراع مع القلم وجدواه، والكتابة وتأثيرها، والنداهة تصرخ: اكتب، وهم يقولون ويتمنعون: ما أنا بكاتب».. !
 
(13)
صحيح أن المثقف والكاتب يؤدي دورًا لم يكلفه به أحد - كما يقول «إدوارد سعيد» في كتابه المثقف - فالوظيفة مصدر للرزق‏، بينما الكتابة الأدبية‏، في عالمنا العربي تحديدًا‏، لا تجلب رزقًا‏، ولا تجلب في أغلب الأحيان إلا ما يضيف إلى تعب الكاتب مزيدًا من العنت والتعب‏ - ولبعضهم الآخر نقمة الجماعات الدينية المتطرفة‏، التي تهدد بالقتل‏، وتقوم بتنفيذ هذا التهديد أحيانًا‏، أما الرزق‏، فإن أغلب الحالات تقول بأن الأدباء هم الذين ينفقون على الكتابة‏، إلى أن صار تقليدًا ثابتًا لدى دور النشر‏، أن تطلب من الكاتب إعانة في نشر كتابه بدل أن تعطيه أجرًا على هذا الكتاب‏(!!!!)
 
(14)
وتخبرنا الأدبيات الإنسانية في هذا السياق بأمثلة كثيرة ومثيرة، أنه حين تُصبح الكتابة عبئًا لا مُتنفَّسًا، فالأَولى تَركُها، حين تغدو الكتابة ديكورًا ثقافيًّا نلهث خلفه، فالأولى تركُها.. حين تلتبس النية الصادقة بنِيَّات دنيوية، فالأولى تَركُها.. حين تُعطى الأسبقية للصوص الأفكار ونصوص الخنا والعار، فالأولى تركها، حين لا يستفزُّني شيء للكتابة، وتتبلَّد كل حواسي، ويغدو القوم كلهم عندي سواء، فالأَولى تركُها.. إن قرار التوقف عن الكتابة كقرار الإضراب عن الطعام، موقف احتجاجي للكاتب يعكس حالة الحنق التي تَعتريه حين يبصر قلمه لا يكاد يحلحل حالًا ولا يشيد بنيانًا.. حين يبصر الحروف تُنثر هنا وهناك مزينة الفضاءات، ورفوف المكتبات حبرًا يسرُّ الناظرين، وقيمًا تشد أفئدة المعجبين، وهي من واقعها براء! لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟ وما جدوى التعب في تدبيج الحروف إن كانت لن تَزيدنا إلا رهقًا؟ كما تصرخ «لطيفة أسير» في سرديتها الرائعة والمروعة: رفعت الأقلام!
 
ويصرخ كثيرون أيضًا.. ولعل من أشجعهم الروائي العربي هشام آدم، الذي قرر الاعتزال وهو في بداية مشواره حين أبصر الكتابة اليوم تَمتطي صهوة المحسوبية، غير مُحتفية بالقيمة الإبداعيَّة؛ فقال عن أسباب اعتزاله: «لكي تنجح يجب أولًا أن يكون لديك القدرة على شراء النجاح، وأنا لا أملك ذلك، وليس لديَّ علاقات أخطبوطيَّة، فلا أحد من أصدقائي صحفي، ولا أحد منهم ناقد، ولا أحد منهم مُترجم، ولا أحد منهم صاحب دار نشر، ولا أحد منهم مقدِّم برنامج، اكتشفت أن الذي يريد أن يصعَدَ إلى الأعلى لا بدَّ له من أصدقاء يرتقي على أكتافهم، أصدقاء يُساعدون في حملِه ورفعه إلى الأعلى، قررت آخر الأمر أن أعتزل الكتابة الروائية تمامًا، وأن أتنازل عن مشروعي الأدبي، وعن أحلامي المرتبطة بالكتابة الإبداعية تمامًا، لم يكن هذا قرارًا عاطفيًّا؛ وإنما هو استشراف للمُستقبَل، فلا أريد أن أقضيَ ما تبقى من عمري في مطاردة الوهم الذي أعرف أنه لن يتحقَّق».
 
 (15)
القضية شائكة.. والتفاصيل مرهقة.. والمعطيات مزعجة.. لاسيما مع ملف العلاقة بين الكاتب المتوهج والناشر الذي يريد أن يطفئ شمسه.. وهو ملف من الملفات المسكوت عنها، ويكشف وجهًا غير مريح لدور النشر، الحكومية والخاصة معًا، فيه آيات بينات على الدور الظلامي الذي أصبحت تمارسه للأسف العنيف (تحت وطأة الادعاء المالي والزعم المادي) ولا بد من انتزاع الأقنعة... وإنا لفاعلون!!
 
،،،،،، 
وإلى الملتقى مع سردية مقالية أخرى.. إن كان في القلم والعمر بقية...!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: