Close ad

وداعا.. سامي مهدى الشاعر والموقف

14-9-2022 | 15:53
الأهرام العربي نقلاً عن

توفى فى بغداد الشاعر العراقى الكبير سامى مهدي، الكاتب، والناقد، والمترجم، والصحافى، وأحد أعمدة الفكر القومى العربي.

جاءت وفاة صاحب دواوين: «رماد الفجيعة» و«الزوال» و«أوراق الزوال» و«سعادة عوليس»، ورواية «الصعود إلى سيحان» وكتابى «نمط الحداثة وحداثة النمط»، و«الموجة الصاخبة»، مثيرة للجدال السياسى والشعري.

 فبينما كانت بغداد، تقف على أطراف أصابعها بسبب أحداث المنطقة الخضراء، كان سامى مهدى يترجل عن الحياة، راجعا إلى دار العودة، تاركا معشوقته الأثيرة بغداد بين شقى رحى فى 29 أغسطس 2022، وجاء الإعلان عن وفاته بعد إتمام مراسم الدفن فى الأول من سبتمبر.

 ما بين الوفاة الفعلية والإعلان الرسمى ثلاثة أيام!

كان حدس رفيقة الشاعر، الكاتبة الكبيرة، ثبات نايف، حقيقيا، فما إن عاد الرجل إلى دار الخلود حتى انبرت أقلام الخصوم السياسيين والمتنافسين المهنيين فى تمزيق سيرته الثقافية والسياسية.

يبدو أن السيدة ثبات نايف كانت محقة، فكان قرارها بأن يوارى جثمان الفقيد دون إعلان، خشية أن يرتكب بعضهم فعلا جنونيا فى حق واحد من كبار الشعراء الذين يؤمنون بمواقفهم حتى الموت، وقد حدث بالفعل أن ذهب الرجل قابضا على أفكاره دون تردد.

 كانت الكاتبة ثبات نايف، قد هيأت لاستقبال الخبر الحزين بأيام، فكتبت على صفحتها بالفيسبوك: “ كذب الأطباء ولو صدقوا.. يقال إن سامى مهدى سيرحل هذا الأسبوع ثم جاء الإعلان بعد هذا الأسبوع بالفعل، كانت وصيته أن يدفن إلى جوار أبيه مهدى عباس” فى مقابر الكرخ، ذلك الظل الذى سيظهر فى خلفيات قصائده الأولى.

كانت مسيرته غنية بالمهنية، بدأها بالعمل فى البريد المركزي، ثم رئاسة التلفزيون العراقي، والملحق الثقافى فى باريس، ورئاسة تحرير الأقلام، وجريدتى الجمهورية، والثورة العراقيتين، والأخيرة بقى فيها إلى اليوم الأخير حين اقتحمت دبابات الغزو الأمريكى بغداد، فعاد إلى بيته دون وجل، والذين يعرفونه حقا، يعترفون بأنه كان صحافيا ماهرا، وحازما فى إدارة العمل العام، أما مواقفه مع المخالفين معه من أحزاب سياسية أو من مدارس شعرية، فهناك عشرات القصص التى تروى عن شجاعته فى تلك الأوقات العصيبة.

حين سقطت بغداد تحت براثن الغزو الأمريكى عام 2003، قرر بتصميم أن يبقى، قائلا: ليكن ما يكون، واجه أقسى اللحظات الإنسانية تحت الاحتلال، فبعض مريدى الغزو طالبه بتوقيع بيان، يحتفل بالرئيس الأمريكى جورج بوش محررا للعراق، فرفض حتى لو كان الموت هو العاقبة.

بقى فى بغداده، ممسكا بيديه جمرة معتقداته السياسية والثقافية، ولهذا حرموه من راتبه التقاعدي، وهو الذى أمضى أكثر من أربعين عاما فى العمل الوظيفي.

شاءت الأقدار أن يولد سامى مهدى فى بغداد، وينتمى إلى سلسلة الشعراء البغداديين الذين يربو عددهم على مائتى شاعر، منهم نازك الملائكة، وزاهر الجيزاني، وفاروق يوسف مثالا لا حصرا، وشاء أن يتوحد معها فى الحياة والشعر والموت، ويدفن فى مقابر الكرخ.

والكرخ، الجانب الجنوبى من نهر دجلة، تلك المدينة المدورة التى بناها أبو جعفر المنصور، تنتمى إلى البادية، حيث الجزيرة العربية، نواة بغداد عاصمة العباسيين، قبل أن تتمدد شمال وشرق دجلة، حيث الرصافة، ويقال إن الكرخ عربية الهوى، والرصافة عالمية الهوى، فقد سكن العرب الكرخ، وسكن الرصافة العجم والكرد والترك والأرمن، حسبما يقول الكاتب العراقى الشهير خالد القشطيني، وكأن العراق هكذا، خلق من ثنائية أبدية!

ولهذا يبدو سامى مهدى كرخيا حتى النخاع. وبغداديا حتى الموت.

منذ أعوام ستة، كتبت مقالا عنه فى “الأهرام العربي” تحت عنوان (بلا مناسبة.. تعيش جمهورية سامى مهدي). أما المناسبة الآن فهى فقدان شاعر عربى مهم، أقول له: وداعا.. سامى مهدي، الشاعر، والموقف.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: