Close ad

مخاطرة أم استثمار آمن؟

10-9-2022 | 10:57

 هل هناك مخاطرة قد تنشأ نتيجة تعميق التعاون مع الصين؟ وأين تكمن المخاطرة؟ هل هي مخاطرة سياسية أم مالية أم أمنية أم ثقافية؟
 من خلال ملاحظة ما آلت إليه الأمور في الدول التي سبقتنا إلى التعاون مع الصين، ومن خلال معرفتنا التاريخية بالحضارة الصينية التي زامنت حضارتنا الفرعونية، فإن المنطق يؤكد انعدام المخاطرة. ثم إن التعاون الاقتصادي مع الصين لا يعني التخلي عن التعاون مع أمريكا. إنه ليس اختيارًا واحدًا من متعدد، بل هو تعامل تجاري متعدد الأطراف، وكل طرف يبحث عن مصالحه الخاصة، فأين التعارض؟

هناك أسباب وبواعث كثيرة جدًا تدفعنا للمسارعة بتوطيد العلاقة الاقتصادية مع الصين اليوم قبل الغد، ولعل أهم تلك الأسباب:
 
1- تغير خارطة التوازنات الاقتصادية الدولية :
 
العالم يشهد عددًا من التغيرات الحادة في المشهد السياسي والاقتصادي، من بروز قوى وتحالفات دولية، وتفكك روابط تحالفات قديمة، بينما أنظار العالم متجهة فقط للصعود الصيني السريع في عالم الاقتصاد، فالأرقام تتصاعد بمتوالية عددية تشير إلى قدرتها على تجاوز الرقم الأمريكي الصعب خلال سنوات قليلة، إذ إن معدلات النمو للاقتصاد الصيني تتعدى النمو الأمريكي بمراحل. ويوشك حجم تجارتها العالمية المتنامي أن يدفع بالقاطرة الصينية لتتصدر المشهد العالمي لاسيما وقد أوشكت الحرب الروسية الأوكرانية على أن تأكل ما سرقته شركات الأدوية في سنوات الوباء، والبساط قد بدأ ينسحب بالفعل من تحت أقدام التجارة الأوروبية والأمريكية، ولن يطول الزمن حتى يشهد العالم عمليات إحلال وتجديد كبرى في المشهد الاقتصادي العالمي.
 
2-البصيرة المستقبلية :
 
 دعنا نتخيل المشهد بعد نحو عِقد من الآن أو أقل..
حجم التجارة الخارجية الصينية اتسع بمقدار اتساع طريق الحرير بحيث تمت إزاحة رقعة ضخمة من الأسواق الأوروبية والأمريكية لصالح الصين وحلفائها التجاريين. بينما أمريكا ما زالت تلوِّح بقوتها العسكرية في عالم لم يعد يحتمل المزيد من الصراعات التي تعِد الجميع بالخراب. هكذا تسعى جميع الدول للدخول في تكتلات وتحالفات اقتصادية مع القوى الصاعدة لإحداث نوع من التوازن، ولنيل جزء من الكعكة التي تقتسمها الدول الصناعية.

بعض الشركات العابرة للحدود ربما ستفضل نقل أنشطتها الرئيسية من أمريكا لدول أخرى أكثر ربحية بعيدًا عن تقلبات السياسات الاقتصادية في أمريكا صاحبة أكبر قدر من المديونية الداخلية، مما يؤثر سلبيًا على الاقتصاد الأمريكي ويتسبب في مزيد من الضغوط عليها، ومزيد من التفكك في حدود الخارطة الاقتصادية الدولية.
 
عند هذه النقطة سيكون مشهد التحالفات قد اكتمل، والفائز هو من استغل الفرصة مبكرًا وراهن على الجواد الأصيل. وسيكون الخاسر هو من راهن على الجواد الأضعف الذي كان قد اعتاد الفوز بالسباق باستمرار في مراحل تاريخية سابقة.
 
3- إعادة قراءة البوصلة السياسية :
 
منذ نحو عِقدين من الآن كانت كل المؤشرات تؤكد أن أمريكا ستظل قوة عظمى منفردة تقود العالم طبقًا لرؤيتها، وأن صعود أي قوى أخرى لن يؤثر في الدور الأمريكي الكوني. بينما اليوم يتحدث العالم أننا بالفعل قد تحولنا إلى كون متعدد الأقطاب نتيجة لوجود القوى سريعة الصعود، ونشأة التحالفات الدولية المقاومة للجغرافيا. وبدأ الحديث يتردد من جانب روسيا ودول أخرى أننا في حاجة إلى إعادة هيكلة المجتمع الدولي بسبب التراجع المستمر في الدور الذي تلعبه منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية في إيجاد حلول جذرية للصراعات الدولية.
 
معني هذا أننا إذا تتبعنا الخط البياني للسياسة الدولية على امتداده، فسنكتشف أن بوصلة الاقتصاد ربما تحيد قليلًا في المستقبل القريب عن الاتجاه الأمريكي الغربي، وربما نشهد انعكاسًا للأقطاب الاقتصادية من الغرب، لتتجه بكل قوتها نحو الشرق الأدنى.
 
4- أوراق الصين :
 
 إذا لم يكن أمامنا طريقة لتحديد بوصلتنا الاقتصادية سوى قراءة أوراق اعتماد التنين الصينى، دعنا إذن نقرأها معًا :
·   الصين عضو دائم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهي عضو في 38 منظمة دولية أخرى، وهي عضو في منظمة العشرين، وفي مجموعة البريكس، وفي بنك التنمية الإفريقي، وعضو مؤسس لمنظمة شنغهاي للتعاون، ولمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا "أبيك"، بالإضافة إلى 15 مجموعة ومنظمة إقليمية ومحدودة الأطراف.
·   اقتصاد الصين يحتل المرتبة الثانية دوليًا من حيث الناتج المحلي الذي يتجاوز 18 تريليون دولار، وهي الدولة التي تستحوذ على أكبر نسبة من الدَّين الأمريكي "سندات الخزينة". وهي البلد الثالث عالميًا في حجم الاستثمار المباشر، والرابعة من حيث عدد السياح (50 مليون سائح سنويًا)، والخامسة من حيث تعاملات سوق الأسهم (3 تريليون دولار أمريكى). وهناك حوالى 40 شركة صينية دخلت في قائمة جلوبال فورتشَن 500، و4 شركات صينية تُعَدّ من أكبر 10 شركات في العالم.
·   هناك قفزة اقتصادية ملموسة استشعرها فقراء الصين، فمنذ 1978م كانت نسبة من هم تحت خط الفقر 64% طبقًا للتقديرات العالمية.. وصلت النسبة إلى 10% فقط أو أقل، وانخفضت البطالة لتصل إلى 4% فقط.
·        الصين اليوم هي ثالث قوة نووية، وقد وصلت للفضاء منذ 2003م كثالث دولة بعد أمريكا وروسيا، وهي تملك ثاني أكبر ميزانية في العالم للبحوث والتنمية.
·   (البنك الآسيوي لمشاريع البنية التحتية) : والذي أنشأته الصين بمشاركة عشرين دولة منها مصر ودول خليجية أخرى يمثل فرصة جيدة لاستثمارات البنية التحتية المشتركة.
 
مصر والصين والسبع السمان
 
 المصريون بصفة عامة متفائلون من الصعود الصينى، وهم يضمرون احترامًا شديدًا للحضارة الصينية التي زامنت حضارة مصر الفرعونية. وإذا كانت مصر تمر بفترة صعبة من فترات التباطؤ الاقتصادي، فقد مرَّت الصين بفترة مماثلة وتجاوزتها. وبإمكاننا الاستفادة من التجربة الصينية، ومن حماستهم تجاه بناء جسر من التعاون الدولي تلعب فيه مصر دورًا أساسيًا ومحوريًا. ولا شك أن هذا سيعود بالنفع على الاقتصاد المصري.
 نحن متفائلون بأن التعاون المثمر البَنّاء مع الصين ربما يمثل لنا بشيرًا بأننا على أعتاب سبع سمان يأكلن السبعين العجاف الماضية، ويقفزن بالاقتصاد المصري قفزة شبيهة بما حدث في الصين خلال العقد الأخير.
 
 [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة