Close ad

سلام على هضبات العراق

7-9-2022 | 14:00
الأهرام العربي نقلاً عن

كفى. أوقفوا نافورة الدم العربى، كفى، توقفوا عن الحرام، والفوضى هى الحرام.

كفى ما يحدث فى العراق وعواصم عربية أخرى، عانى العراق من سبعة عقود من الحروب، ما بين أهلية وخارجية، وغزو، فقد ملايين الشباب، وأهدر ثروات مادية تقدر بالتريليونات، وهو لا يستحق هذا الجزاء.

كيف لبلد عربى غنى، يشكل ضلعا فى المثلث العربى نتركه يصاب بهذا الداء، نتركه لقمة سائغة لأطماع إقليمية ودولية، تجعل منه لوحة تنشين.

الشاهد أن العراق، بلاد الرافدين، يعنى ذاكرة البشر، وذاكرة الكتابة، من الكتابة المسمارية، مرورًا بحمورابي، وشريعته الخالدة، وملحمة جلجامش، «هو الذى رأى» إلى فتوة العقائد، وبزوغ العلماء، والفقهاء، والشعراء، والمتصوفة، والنحاة، فما معنى اللغة دون نحو البصرة وصرف الكوفة، وما معنى العلم دون الأئمة الأربعة، والحركات الثقافية والاجتماعية، وما معنى الاقتصاد العربى دون بلاد الرافدين؟

ولعلى أقول مع محمد مهدى الجواهرى، شاعر العراق الأكبر:

«سلامٌ على هضباتِ العراق ِ.. وشطيه ِ والجُرف ِ والمنحنى

على النخلِ ذى السعفاتِ الطوالِ.. وشُمِّ الجبالِ، تُشيعُ السَـنا

سلامٌ على نيّراتِ العصورِ.. ودارِ السلامِ، مدارِ الدُنى»

العراق، ثرى بالحضارة، ثرى بالطبيعة، ثرى بالفكر، لا يستحق ما يجرى فيه، ولا يستحق أن يتحول إلى لوحة تنشين لقوى تعانى من اختلال عالمي، تريد أن تنتصر على أراضى الإقليم العربى، فتغذى الاصطدام بين التيارات المختلفة لشعب واحد.

أوروبا التى نضرب بها المثل الآن كانت قد خاضت نفس التجربة على مدى قرون، لم تحصد سوى الموت والدمار، من حرب الثلاثين عاما، إلى حروب بينية، ثم حربين عالميتين، ولا تزال تعانى من المسألة الأوكرانية بين روسيا وأوكرانيا، وكانت تفاخر بأنها تخلصت من الحروب تماما بعد حرب البلقان فى التسعينيات من القرن الماضى.

تجربة أوروبا تجعلنا نأخذ الدروس، ولا نستعيد تجارب مريرة، ولا نستورد ما كان من ماض عنيف، فالنهاية المحتومة هى تفكيك البلاد وتشريد العباد، ولنا فى فوضى الربيع العربى مثال، فقد خسرت المنطقة أكثر من 3 تريليونات، وعشرات الملايين من المهجرين واللاجئين.

كانت الدول العربية قد استفاقت قليلا من آثار الفوضى الخلاقة، وأدركت أن  التدخل الخارجى بالغزو كحالة العراق، أو الصراع  السياسى العنيف، يؤدى إلى طريق واحدة، طريق إهلاك الأمم والدول، لكنها فوجئت بما يجرى فى أكثر من عاصمة عربية فى وقت واحد.

لا بد أن نتوقف أمام هذا التزامن الغريب، لا مصادفة فى الأمر، بل علينا الانتباه والحذر، فالنظام الدولى يعاد ترتيبه دون هوادة، وأصحاب هذا النظام يعانون شيخوخة  ما رتبوه على مدى أكثر من 75 عاما، أى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فبسبب المسألة الأوكرانية – الروسية، اتخذت ألمانيا قرارًا إستراتيجيًا بتسليح نفسها بأحدث الأسلحة، ورصدت 100 مليار من أجل هذا الهدف، وكذلك اليابان، وهما الدولتان اللتان خرجتا من الحرب العظمى مهزومتين، وتركتا للقوة الأمريكية المنتصرة مقود القيادة فى الحماية والدفاع والتحالف، وقرار ألمانيا واليابان يعنى تغييرًا جذريًا في السياسة الدولية.

أما الأخطر فهو ملف الطاقة، سواء التقليدية من بترول وغاز وفحم، أم الطاقة النظيفة المتجددة، فقد بات هذا الملف هو الشغل الشاغل في الحداثة العالمية المعاصرة، ونقص الطاقة التقليدية وعدم الوصول للنظيفة بعد، يعني أن التوترات ستبقى هي سيد الموقف، وقد تنشب حرب أو اصطدام بالمصادفة بين قوة أو أكثر، ومع وجود الأسلحة الذكية والخطيرة، يصبح الأمر أكثر خطورة.

ملف الطاقة ليس الوحيد على الطاولة، فهناك مسألة التغير المناخي، وتصحر بعض الدول، واضطراب الاقتصاد، وهذه مسألة جديرة بالتأمل، فقد يدفع هذا الجفاف، وذاك التصحر إلى اندفاع بعض الدول إلى الهجرة بالقوة أو بالتسلل إلى أماكن أخرى تتوافر فيها شروط الحداثة كما يرغب المغامرون، وأخشى أن تكون الصراعات والتوترات الأهلية فى دول الإقليم العربى بمثابة الجسر للعبور إليها من هؤلاء المغامرين مرة أخرى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: