راديو الاهرام
3-9-2022 | 10:33

 "الفأر الأمريكي شديد الارتباط بمكان نشأته".. يستطيع أي أحد أن يقول هذه الجملة، ولن يعترض أحد على كلامه.. لكنها ليست جملة عادية.. وإنما حقيقة علمية! ولكي يصل علماء (الإثنولوجي) إلى هذه الحقيقة - التافهة في نظر البعض - بذلوا مجهودًا عنيفًا.. فقد قاموا بمتابعة عدد من الفئران التي تسكن أحد الجحور، ثم أمسكوها ووضعوها بعيدًا عن جحورها بمسافة 4 كيلومترات، وراقبوا هذه الفئران فاكتشفوا أنها جميعًا تستطيع العودة إلى جحورها بكفاءة مدهشة..

 المدهش أكثر أنها تتخذ أقصر الطرق إلى هذه الجحور، كأن في عقولها خريطة مرسومة بالقمر الصناعي لدائرة قطرها (4 كم)!!

 هذه التجربة لم تكن كافية لإعلان الحقيقة العلمية الضئيلة.. بل كان لا بد أن يعيدوا التجربة على فئران رضيعة ليس عندها أي ارتباط بالمكان، ولا معرفة مسبقة بالشوارع التي تحيطها... ووجدوا نفس النتيجة المدهشة!

ونتائج علم الإثنولوجي كلها قامت على مثل هذا العمل الشاق.. وقد يضطر الباحثون والعلماء - الأجانب طبعًا- إلى العيش بين الحيوانات شهورًا وسنوات.. لكي يتابعوا تحركات هذه الحيوانات وعاداتها لحظة بلحظة!.. ويخرجوا بنتائج ودراسات لم يطلبها أحد.

منتهى الجدية..
أما حكاية الطالب المصري الذي يتمطع أمام الكتاب، ويتململ أمام الصفحات.. ثم يتثاءب ويقرر ألا يذاكر، وألا ينجح.. فمنتهى الهوان!

في الواحات.. اعتبر أنهم أصدروا قرارًا بإلقائه في "منفى"... وصار طوال الطريق إليها مغتاظًا مغضبًا.. ثم رأى مشهدًا أنهى حالة الغيظ التي تتملكه.. لقد رأى اثنين من الأجانب، وقد انشغلا في الإشراف على بعض العمال في أعمال إنشائية.. ففكر: كيف أن الإنجليز تركوا بلادهم الباردة، ووقفوا تحت زنهار الشمس المصرية الحارقة، بثبات وقوة.. وكيف أنه هو يعترض على العمل بعيدًا عن بيته ببضعة أميال، رغم أنه لم يغادر مصر!!

فالجدية والعزم في هؤلاء الأجانب، أفضل من خورنا وضعفنا نحن أصحاب الأرض والحق!!..

فإذا أحببت لوطنك أن يكون دولة متقدمة.. فكن أنت أفضل من التلميذ الأمريكي، وأذكى من العالِم الياباني، وأقوى من أي باحث غربي.

تسألني : كيف؟
أقول لك اقرأ.. وتعلـَّم من هؤلاء العباقرة.

.. مؤسس مصر الحديثة
لن ترى في حياة "رفاعة الطهطاوي" التلميذ ما يميزه عن أي إنسان آخر متفوق مجتهد تجاوز مراحل الدراسة حتى غدا أستاذًا بالأزهر.

وعندما نتحدث عن منجزات المنجزين، نقول إن (رفاعة) له دور خطير وحيوي في إصلاح التعليم عمومًا، وفي التراجم بالذات.. وأنه أول من فتح العيون على العزلة التي أغرقتنا، والتي ليس لها من حل سوى فتح باب الترجمة والبعثات.. وبدأ بنفسه، فترجم عددًا كبيرًا من الكتب.. وانتهز فرصة أن محمد علي باشا يرغب في إنعاش التعليم، فهمس له أن يفتح (مدرسة الألسن) لتنشيط التراجم.. والتي جاء الخديو سعيد وأغلقها فيما بعد.

لكن أين هي البذرة التي أنبتت فكرة الترجمة، وأثمرت مدرسة الألسن؟
البداية كانت فرصة وقعت في يد (رفاعة) واستغلها باقتدار.. فقد قرر الجيش أن يرسل بعثة إلى فرنسا.. واختاروا (الطهطاوي) ليكون مشرفًا عليها.. وليست عليه تكليفات أو واجبات ثقيلة، فهو حرّ في أن يقضي رحلته كيف يشاء.. وأي أحد في مكانه، سوف ينتهز الفرصة للتسوق والفرجة، وتتسمر أقدامه أمام العالم الجديد بأضوائه الآخاذة المبهرة.

أما (رفاعة) فأنفق كل الوقت في تعلم اللغة الفرنسية، ثم ترجمة كل ما يقع تحت يديه من كتب فرنسية.. وانبهر.. ونقل لنا هذا الانبهار وهذه الكتب، وفتح لنا بابًا جديدًا للمعرفة وسماه مدرسة الألسن.

وكل هذا غريب.. غريب أننا في عصر العولمة، والعالم الذي تقلص وضاق إلى قرية وأقل من هذا.. ورغم هذا لا نفعل أكثر من الفرجة والانبهار!

بينما (رفاعة) لم تـُفتح له إلا طاقة ونافذة ضئيلة على العالم، فخرج لنا منها بقطعة كبيرة من هذا العالم! نحن الآن نكتفي بالفرجة على كل شيء، ولعن كل ما حولنا.. ثم نلقي بكل اللوم على الآخرين.. ونعيب على كل الناس إلا نحن!!

أما (الطهطاوي) كان من ذلك الطراز من الرجال الذين يغيرون الدنيا من حولهم.. فأي نوع من الرجال أنا وأنت؟

في أحد الجولات التفتيشية التي قام بها (رفاعة) في أحد المدارس، أمسك كتابًا مدرسيًا من أحد التلاميذ، وقرأه... وضايقه الكتاب، وضايقه العلم الذي يدرسه التلاميذ.. وقرر أن يغير هذه الكتب، ويكتب بنفسه كتبًا جديدة تفيد الطلبة فائدة حقيقية.. لقد قرر أن يقوم بتغيير فوري وحاسم، وهكذا هي شيم الرجال.
 
محمد عبده.. هارب أعاده الضياء..
تلميذ كأي تلميذ آخر.. أو أقل..يحفظ القرآن في الكتـّاب.. ثم يبعث به أبوه للأزهر حتى يصبح عالمًا كبيرًا.. وكأي تلميذ آخر... فهو يكره المدرسة والدروس والمدرسين.. ثم إنه لا يفهم شيئًا مما يتعلمه، وعندما جلس يستمع إلى أول دروس النحو.. كان الدرس هو إعراب (بسم الله الرحمن الرحيم ) إعرابًا تفصيليًا!!

سبحان الله.. أهذا هو أول درس؟ وكيف يكون أول دروس النحو هو منتهى علم النحو؟! ومطلوب من التلميذ أن يسمع ويحفظ، ولا يسأل.. وليس مطلوبًا منه أن يفهم!

هكذا كانت كل دروس الأزهر التي اصطدم بها الشيخ التلميذ محمد عبده في دراسته الأزهرية.. وظل يبتلعها كما يبتلع أي دواء مرّ ثقيل. ثم جاء الوقت الذي فاض به الكيل وقرر أن يترك التعليم! ورفض أبوه هذا القرار.. وكان الحل الذي رآه محمد عبده هو الهرب!

فمضي إلى أحد أقاربه في قرية مجاورة.. وهو شيخ صوفي اسمه الشيخ (درويش).. وكان من هذا الصنف من الناس، الذي له بصيرة نافذة، وطبيعة نورانية شفافة، وعلم لدنـّي خاص.. وكاريزما تجذب العيون والعقول والآذان..

كان أول ما فعله، هو أنه أعاد الثقة في قلب محمد عبده.. وأعطاه كتابًا في الأخلاق، وجعله يقرؤه.. ثم شرح له شيئًا من محتواه.. فإذا بمحمد عبده يسمع ويفهم ويحفظ.. ويري العلم كما لم يره من قبل... ويتأكد أنه قادر على الفهم، وأن العيب ليس في عقله أو فهمه.. وأن الجمال المكنون في طيات العلم والكتب ليس بعيدًا ولا صعبًا في تعجيز الطلبة والاستظهار عليهم بالعلوم والكلام الرنان! وكانت الكتب الأزهرية أشد تفلسفًا وتقعرًا وصعوبة.. وكلها كانت كتب أصول.. أي كتب قديمة مكتوبة بلغة ثقيلة بطيئة.

وجاء الشيخ درويش وأعطى محمد عبده نصيحة أخرى.. هي ألا يتوقف أمام علوم الأزهر فقط.. بل نصحه بأن يقرأ في الجغرافيا والتاريخ والسياسة والاقتصاد، وفي كل شيء.. وأن المسلم لا بد أن يتوسع في علمه، وأن يكون واعيًا ذكيًا.. يدرك أحداث الساعة ويفهمها، وينفعل بها.. فيكون له رأي ونظرة ورد فعل.

وهكذا يغدو محمد عبده هو الإمام الفقيه المصلح، الذي يغير أشياء كثيرة من حوله، ويقاوم الاحتلال، ويصلح الأزهر.. ويتحول إلى بطل، ونجم من نجوم التاريخ.

كل هذا فعله التلميذ الهارب.. الذي قابل في طريقه نورًا منحه دفقة كثيفة من الطاقة الروحية الفياضة.. وقدم له أقوي دافع من دوافع العلم.. نصرة الدين، ورفعة الإسلام.

والقرآن ينبئنا بحقيقة مهمة: [إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ].. فماذا فعلنا بعد أن سمعنا هذه الآية؟! وما الذي اكتسبناه من تقنيات العصر الحديث، الإنترنت وقنوات الفضاء والكمبيوتر، أو من علوم هذا العصر؟ وهل نستخدم هذه التكنولوجيات لنغير من أنفسنا ونطورها؟

إنها فرصة عظيمة.. وأوكازيون مفتوح.. وغنيمة تنتظر من يقتنصها.
 
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: