Close ad

حدث بالفعل.. حلقاتك برجالاتك

1-9-2022 | 11:42

"بقيت تيتا يا دكتور".. نطقت بها عيناها قبل لسانها، فرحة لم أر لها مثيلًا من قبل، فرحة استوقفتني، أثارت بداخلي شغفًا ورغبة في معرفة المزيد والمزيد عن تلك التجربة. 

باركت لها وطلبت منها أن تبقى قليلًا لتحدثني عن مغامرتها المثيرة العجيبة التى تعيشها للمرة الأولى، "بتقولي بقيت تيتا بمنتهى البساطة، ألا تخافي أن يقولوا أنكِ أصبحتي عجوزة"؟ قالت: "لا طبعًا الشباب شباب القلب يا دكتور، وأنا أشعر أنني ما زلت في عز شبابي. تيتا هي عبارة عن تجربة جديدة في حياتي، مهمة جديدة لم أقم بها من قبل، أنا سعيدة جدًا وأحمد الله فى كل لحظة أن كتب لي أن أعايش تلك التجربة".

وماذا كان شعورك حين حملتي الحفيدة الغالية للمرة الأولى؟.. بصراحة كان شعورًا في منتهى الغرابة، ذهبت عيناها بعيدًا وسادت لحظة من الصمت ثم عادت قائلة: "عندما حملت حفيدتي للمرة الأولى لم أر سوى أمها بين يدي، وكأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة، وبقيت أنظر إلى أمها ثم إليها، وأكرر ذلك عدة مرات لأتأكد من أنني أحمل حفيدتي وليست أمها. أصدقك القول، لقد مر شريط حياتي أمام عيني في تلك اللحظة بكل تفاصيله. رأيت تلك الفتاة الحالمة التي تخرجت للتو من الجامعة، تسير جنبًا إلى جنب مع ذلك الصحفي الشاب الطموح لأقصى درجة. 

قرار الزواج وتحدي كل الصعاب، البداية البسيطة ورحلة الكفاح الطويلة، أول مبلغ وفرناه وقررنا شراء سيارة صغيرة، خطواتنا في الحياة بحلوها ومرها. فرحتنا بقدوم أول مولودة وقلقنا على مستقبلها، ثم قدوم باقي الأولاد وازدياد القلق الذي لم يهزمه سوى اليقين بالله، وأنه سوف يعوضنا خيرًا. كانت رحلة طويلة جدًا، مرت أمامي فى لحظة في عيون تلك الحفيدة وابتسامتها التي أنستني الدنيا. 

تذكرت والدتي وترحمت عليها كثيرًا عندما وجدتني أتحمل مسئولية ابنتي والحفيدة بعد الولادة، تذكرت ما كانت تفعله أمي رحمها الله وأنا فى بيتها أحمل مولودي الأول، كم كانت عظيمة فى كل شيء، كنت أقدر أمي وأحبها وأحترمها لأقصى درجة، لكن بصراحة لم أشعر بمقدار ما بذلت من عطاء لي ولإخوتي إلا في تلك اللحظة، تمنيت لو كانت بيننا الآن لأظل أقبل يديها وقدميها ما تبقى لي من عمر. 

طبعًا الحفيدة سوف تنال ما لم تنله أمها من التدليل؟ وحكيت لها مشهدًا رأيته في فيلم أجنبي يزور فيه الجد ابنه ثم يفتح علبة كبيرة فتظهر سفينة رائعة الصنع يناولها للحفيد، ويقول له مبتسمًا: "ما رأيك"؟ فيقول ابنه: "ما هذا يا أبي لقد كنت ترفض أن ألمسها مجرد لمس وأنا صغير، وحتى بعد أن كبرت"؟ قال الجد بمنتهى الجدية: "وما زلت أرفض، وهل أعطيتها لك؟ ويصرخ الحفيد: "جدي هل يمكنني أن أحتفظ بها"؟ فيصرخ الجد بدوره: "طبعًا يا حبيبي هي لك إفعل بها ما تشاء". وينظر الابن متعجبًا: "أبي هل أنت متأكد من ذلك؟ أليست تلك هي تحفتك المفضلة؟ احذر فسوف يلهو بها وربما يكسرها". ويقول الجد: "فليفعل بها ما يشاء، يكسرها وأحضر له واحدة أخرى". 

يبتسم الأب وينظر إلى الجد وإلى الحفيد نظرة حائرة، ماذا يحمل ذلك العفريت الصغير بداخله ليغير أمورًا استقرت سنوات وسنوات حتى ظننتها من الثوابت المقدسة؟ هل هذا هو أبى؟ وكأن أبيه قد أدرك ما يدور بخاطره، نظر إليه قائلًا: "لا تحير نفسك، أنا شخصيًا لا أفهم ولا أشعر بما أفعل منذ أن وصل عفريتك الصغير الذي قلب حياتي".

عقبت على قصتي قائلة: "عندك حق أنا وزوجي بالفعل لا ندري ماذا حدث منذ وصول عفريتتنا الصغيرة، مشاعر كثيرة وطموحات كبيرة لهذا الكيان الجديد، على فكرة يا دكتور أسميناها كيان. طبعًا كل التدليل سوف يكون لكيان، وأكثر مما نالته أمها فى صغرها. تساءلت: "قد تعترض الأم وتطالب بالالتزام بأسلوبها الخاص فى تربية أبنائها"؟.. أجابتني: "نعم، ربما بدأت في ذلك بالفعل عندما رغبنا في عمل سبوع للحفيدة".

اعترضت متعللة بأن "دق الهون" يمكن أن يؤثر على حاسة السمع عند الطفلة الوليدة، وأنه من سابع المستحيلات أن تضع الطفلة على الأرض وتخطو حولها "سبع مرات" ولا خمسة ولا حتى مرة واحدة. وأنها لن تسمح برش الملح خوفًا أن يصيب عين المولودة. كان ناقص شيء واحد هو أن ترفض أن نغنى "حلقاتك برجالاتك". أكدت لها مرارًا وتكرارًا أنها مجرد فرحة لنا وللأقارب والجيران لا نفعلها بعقيدة معينة، هى مجرد فرحة فقط، لكنها لم ترحب بالفكرة إطلاقًا.

أقسمت لها أنني لن أدق "الهون" بجانب أذني الحفيدة حتى لا يتأثر سمعها، لكنها رفضت. طيب يا بنتى اتركيني أرش الملح وأقسم بالله سوف يكون بعيدًا عنك أنت وابنتك، لم ترد رغم وعودي أن يكون ملحًا من النوع الفاخر. 

وبالطبع لم توافق على أن تخطو فوق المولودة ولا خطوة. لكن الحمد لله وجدنا بديلًا للهون واحتفلنا وغنينا "حلقاتك برجالاتك". كيف يكون سبوعًا ولا نغني فيه "حلقاتك برجالاتك"؟ طبعًا هي وجيلها لن يدركن مدى السعادة والفرحة التي يشعر بها جيلنا حينما نقوم بتلك الأمور التي ارتبطنا بها أطفالًا وشبابًا. 

ألف مبروك لـ"تيتا" مروة، والزميل العزيز "جدو".. تتربى في عزكم.

كلمات البحث