Close ad

الميتافيرس والمستقبل المصري

29-8-2022 | 12:11

في عام العام 1992 تخيل الروائي نيل ستيفنسون  بروايته (سنو كراش) شخصيات افتراضية موجودة على قيد الحياة استطاعت أن تلتقي  في مبانٍ ثلاثية الأبعاد دون لقاء مادي لكنهم استطاعوا أن يقيموا علاقات إنسانية بينهم، ليكون بذلك من الأوائل الذين شقت مخيلتهم طريقًا إلى الواقع الافتراضي، وفي السنوات الأخيرة من القرن الماضي كنا نقرأ ونسمع بمقولة أن العالم صار قرية صغيرة، في دلالة واضحة ومتكررة على انتشار وسائل الإعلام والسرعة في تغطية الأخبار، بحيث ما يحدث في بقعة من العالم في أقصى الغرب تصل أخباره لأشخاص في أقصى الشرق خلال زمن محدود، ومع مرور السنوات صار هذا التعبير دارجا وتقليديا وقديما بعد التطور المذهل في عالم الاتصالات وخصوصا بشبكة الإنترنت التي تعد حاضرة الزمان والمكان عبر العقود، وبعد ظهور العديد من التطبيقات فتجاوزنا مفهوم القرية الصغيرة وصولا للعالم الافتراضي ومؤخرا يبدو في الأفق بقوة مصطلح الميتا فيرس، فما هو الميتافيرس وما علاقته بالعالم الافتراضي والمادي وما حدود مجالاته. 

بعد أن كان على مرمى الخيال انتقال الواقع المادي المعيش بتعاملاته إلى واقع بديل كخيال ضاحك ربما لم يخطر ببال كثيرين، سرعان ما تحول جزء من هذا الخيال لواقع فعلي عبر تطبيقات فيس بوك وما تلاها، متجاوزا مجرد الترفيه إلى علاقات حيوية من تعارف وارتباطات وتنسيق أعمال والإعلان عن مطبوعات وصفحات رسمية إلى أهم المستويات، إلى أن بدأنا التسلل إلى عالم الميتافيرس، فصار بإمكان الأشخاص وهم في أماكنهم المحدودة جدا أن يعقدوا الصفقات ويشتروا الأراضي والمنازل ويبيعون ويستأجرون بل ويسددون مستحقات ويحجزون بالفنادق وما إلى ذلك،  من تعاملات حياتية وتجارية تسهم بشكل كبير في تعزيز فرص الافتراض بل إنها تمثل ثورة كبرى في عالم الاقتصاد كذلك، إذ يُعبر الميتافيرس عن عدد من العوالم الافتراضية التي تشتمل على تفاعلات لا حدود لها بين المستخدمين وذلك عبر الأفاتار الخاص لكل مستخدم، مما يعبر عن نقطة امتزاج رئيسية بين العالم المادي والرقمي معًا، الأمر الذي جعل الشركات الكبرى في العالم تعيد تخطيط إستراتيجيتها  في تصميم منتجاتها معتمدة على عالم الميتافيرس الذي يعد مستقبل الإنترنت، متجاوزًا فكرة العوالم الافتراضية إلى الشبكة العنكبوتية ككل، فكلمة ميتا "meta" تعني ما وراء، وفيرس "Verse"  من "Universe" الدالة على ما وراء العالم، وربما يكون عليك للدخول إلى هذا العالم المتطور جدا في مجال تذويب الفوارق بين المادي والافتراضي أن تقتني نظارة أو جهازًا يوضع على الرأس حتى تتمكن من تحقيق وجودك في هذا العالم الذي يربط بين مختلف أنواع البيئات الرقمية، وتشمل معدات الميتافيرس أيضا الحواسب والهواتف الذكية، بحيث يتوقف احتياجك للمعدات على المكان الذي تريد التوجه له أو الشبكة التي تتفاعل معها، إذن تلك المعدات المطلوبة تتيح هذا الشعور الرابط بين واقعين مادي وافتراضي في لحظة واحدة، فيما يسمى بالواقع المعزز، وهو ما يتم بالفعل وبشكل واسع في ألعاب الفيديو، غير أن الاستثمار في هذه التقنيات يجعلنا نتوقع ونتطلع إلى الكثير في المستقبل القريب والبعيد معا،  إذ توقع تقرير لوحدة المعلومات في بلومبيرج أن يبلغ حجم سوق ميتافيرس 800 مليار دولار  بعد أقل من عامين. 

وهناك عدد ليس قليلا من الشركات التي تتعامل مع الميتافيرس منها فيسبوك وهي  الرائدة في هذا المجال، وكذا مايكروسوفت وأبل، وشركات أطلقت مجموعة متنوعة من ألعاب الإثارة من خلال هذا الواقع المعزز.

ويبقى هنا تساؤل أمام هذا السباق العالمي المحتدم بالاكتشافات يوما بعد آخر، وقد جعلت تقنية الميتافيرس العالم أشبه ببيئة ثلاثية الأبعاد يتاح لأي مستخدم  الدخول بها والاستمتاع بأحد مكوناتها وعناصرها منفصلا عن الواقع: ما المطلوب إزاء مجاراة هذا التطور ونحن نخوض غمار تنمية شاملة تسعى بقوة لمجاراة التحديات العالمية وإثبات موقفنا التاريخي والجغرافي والحضاري والتأثير الفكري والعلمي والإبداعي والإنساني والاقتصادي كذلك، وكيف تبقى الهُوية عاملًا أساسيًا ممتدًا ومتفاعلًا وراسخًا في كل هذا التطور، وهل نستطيع الاندماج والاستفادة من هذا العالم وسباقاته في تعزيز مستقبلنا السياحي والاقتصادي والتنموي؟ نعم نستطيع طالما بقيت في النفوس إرادة ولم يزل الأمل هو مصدر الطاقة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة