Close ad

التجربة الألمانية (3)

25-8-2022 | 15:45
الأهرام المسائي نقلاً عن

نأتي إلى ختام سلسلة المقالات والتي حرصت من خلالها مشاركة انطباعاتي الشخصية المستخلصة من الزيارة الخاطفة للعاصمة الألمانية، واستنتجنا سويًا من المقالات السابقة أن الدول المتقدمة تقدم التيسيرات في إطار الحاجة الفعلية والقدرة على تحمل تكلفتها، فلا مجال للتبذير أو الإنفاق المبالغ فيه، وهو الأمر الذي يساهم في بناء الأمم والحفاظ على تقدمها، على عكس الدول النامية فيميل مواطنوها إلى ثقافة الاستهلاك المبالغ فيه، والذي يصل إلى حد الإسراف، لتشكل القوة الشرائية لمواطني الدول النامية قوة دفع اقتصادات الدول المتقدمة، وذلك من خلال الإقبال على منتجات الدول المتقدمة، كما أثبتنا بالدليل أن المنظمات الحقوقية في الدول المتقدمة قد تغفل عن حقوق المواطنين في محيطهم، لتمتد أبواقهم خارج المحيط الجغرافي لدولهم.

لأستكمل مع حضراتكم من خلال مقالي الأخير في تلك السلسلة انطباعاتي الشخصية، فلا أخفي أنني أسعد باقتناء حقائب المشتريات التي أعتز بها، ومن الممكن أن يمتد احتفاظي بها لعدة أعوام دون آية مظاهر للتلف قد تلحق بها، وحينما بدأت جولتي الشرائية في العاصمة الألمانية، فوجئت بأن المشتريات تكون مجردة، لا أكياس بلاستيكية يتم وضع المشتريات بها، ولا صناديق للأحذية، ولا حشو ورقي للحقائب، فأنت تشتري المنتج بصورة مجردة، وهي ثقافة عامة بين الجميع، وعرف متبع، كل مواطن أو متسوق يحمل شنطة المشتريات Shopping bag ليضع بها ما يشتريه، والبائع يعطيك السلعة دون أي شيء، وإذا تعددت مشترياتك وترغب في الحصول على شنطة لها فأنت تشتري تلك الشنطة، وبالتالي فهي ليست مجانية كما اعتدنا "شنطة بلاستيكية لكل منتج"، كما أن الملاحظ أن الشنطة التي يتم شراؤها لحمل المنتجات قد صنعت من مواد صديقة للبيئة.

وعلى جانب آخر بالنسبة للمنتجات التي قد تكون بها حشو ورقي أو موضوعة في صندوق، فقد لاحظت أنه يتم تجميع تلك الصناديق أو الحشو بطريقة معينة ليتم إعادة تدويرها من خلال تحديد آلية التجميع والتوريد والتي تبدأ من المحال، وبالتالي يطبقون فكر الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة من المصدر، وذلك من خلال شيوع هذا الفكر بين الجميع سواء بائعٌ أو مشترٍ، ليترسخ أكثر في ذهني أنه لا مجال لإهدار أي شيء، فهناك تفكير في أدق المصادر، والتي يمكن تحويلها إلى قدرة إنتاجية إضافية.

وعلى جانب آخر، وفي إطار الثقافة المصرية التي يصعب علي التخلي عنها، وبالوصول إلى المطار، طلبت من سائق المركبة أن يساعدني في وضع الشنطة على عربة الشنط تمهيدًا لدخول المطار في طريقي للعودة إلى أرض الوطن، لأستكمل باقي الصدمات الثقافية برده الذي جاء في هدوء شديد "إنه عملك سيدتي وليس عملي"، ليؤكد على ترسيخ أن الثقافة السائدة في المجتمع الألماني هي العمل، ولا مجال للتفرقة بين رجل وامرأة سوى بالقدرة على الإنتاج وأداء المهام، وأن فكر المساواة في تلك المجتمعات لا يأخذ في اعتباراته آية معايير سوى معيار العمل.

لأصل إلى أرض الوطن وأطلب سيارة وعلى الرغم من أن ميعاد الوصول قد تخطى منتصف الليل ببضع ساعات، إلا أن سائق المركبة "سيدة"، وكانت تلك المرة هي أول مرة استأجر سيارة قائدتها امرأة والتي نزلت من سيارتها في جدية ليساعدها أحد الشباب المارين في وضع الحقائب في شنطة سيارتها بعفوية معتادة لأستشعر الشهامة المصرية الممزوجة بالكفاح على لقمة العيش، فتلك هي المساواة في السعي على لقمة العيش، ولكن في إطار تكافؤ الفرص ودون تنازل عن الثقافة المجتمعية السائدة.

لأحمد الله على دفء الوطن متمنية أن نقتبس الأداء العملي والسلوك الرشيد البعيد عن الهدر، فالعمل ثم العمل فالعمل هو أساس الحياة في مجتمعات الدول المتقدمة، والتنمية المستدامة هي أسلوب الحياة لديهم، وتبدأ من المنبع وفقًا لآلية محددة واضحة المعالم، والاستمرارية في الأداء لديهم يضمنها أطر مؤسسية واضحة، فكل يعرف دوره، والأطر المؤسسية الحكومية هي قوة الدفع، التي تصوب في الاتجاه الصحيح لتحافظ على المجتمع باختلاف أطيافه قطاع خاص ومدني وأفراد، ولكن على ألا نفقد ما يميزنا من الطبائع والاخلاقيات.

خبيرة اقتصادية 

[email protected] 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: