Close ad

كتاب الأغاني.. ديوان الثأر العربي

21-8-2022 | 16:01
الأهرام المسائي نقلاً عن

لا تملك حين تقرأ كتاب (شخصيات حية من الأغاني) لمؤلفه الدكتور محمد المنسي قنديل، إلا أن تُردد خلف نزار قباني أبيات لوعته على زوجته إثر مقتلها في انفجار السفارة العراقية ببيروت، ديسمبر 1981، (لن أقرأ التاريخ بعد اليوم.. إنَّ أصابعي اشتعلت ..وأثوابي تغطيها الدماءْ ..ها نحن ندخلُ عصرنا الحجري.. نرجع كل يوم، ألف عام للوراء!).

 في لغة سهلة وعبارات رشيقة استدعى قنديل صفحات من الكتاب الأشهر لأبي الفرج الأصفهاني؛ (الأغاني). يُروَي أنه كتبه في نحو خمسين عامًا وتقاضى عنه ألف دينار ذهبًا من سيف الدولة الحمداني، ومثلها من حاكم الأندلس. سرد فيه سِيَر شخصيات لا تزال تعيش بيننا رغم مرور أكثر من ألف عام. من منا لا يعرف امرؤ القيس، وجليلة بنت مُرة وحرب البسوس، وتأبط شرًا، وعروة ابن الورد، والخنساء، وغيرهم.

 مهتديًا بالنجوم وخيالات كُثبان الرمل أغار امرؤ القيس على قبيلة بني أسد ثأرًا لأبيه، وبعد أن أعمل فيهم القتل وثكلت النساء وتيتم الأطفال، اكتشف أنها كِنانة، فمضى هو ورجاله يعلوهم خزي ومهانة، يطارد ثأره ويطارده ثأر الآخرين. لا يكاد يستريح في موضع. متأهب للهرب تجثم على عتبات خيمته رواحله وعليها متاعه.

 وفوق ذلك قاسي طعنات الغدر، دعاه علقمة الفحل -أحد الشعراء المغمورين- لسجال شعري في وصف الخيل ومُقترحًا زوجة امرؤ القيس حكمًا بينهما، فما انتهى السجال إلا وحكمت لعلقمة، مُتجاهلة شاعر المعلقات، صاحب (قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ)، وأبيات خلدها التاريخ (مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا.. كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ). فما أن فَطِنَ للخدعة حتى طلقها، ليطلع عليها الصبح وقد تزوجت علقمة.

 الثأر مسبحة لا تنتهي حباتها متى لضمها خيط دم. قضي النعمان بن المنذر –حفيد امرؤ القيس- شطرًا طويلاً من حياته ليثأر لمقتل ابنه على يد الحارث بن ظالم المُري. وكان أحد رجال النعمان، ويدعى خالد بن جعفر قد أغار على بني مُرة فأباد رجالهم وأبقى على نسائهم وأصغر أولاد شيخ القبيلة. تربي الحارث في كنف أمه وثكالى القبيلة، ربوه لهدف واحد؛ الثأر لأبيه والقبيلة المغدورة. وما أن شب الحارث حتى احتال وحقق هدفه، ليتحول الـمُطاردُ إلى طريدة، يروي الأشعار وتروى عنه الأساطير، حتى أوقع به النُعمان وقتله ثأرًا لابنه.

 وعاش عروة بن الورد يثأر للفقراء من الأغنياء، وكان يُطلق عليه لشدة كرمه (أكرم من حاتم)، أي حاتم الطائي؛ أجود العرب. وقضت أشهر شواعر العرب، تُماضر بنت عُمَرُو -وكُنيتها الخنساء لِقِصَرَ أنفها وارتفاع أرنبتيه- عمرها تشحذ أخاها (صخر) ليثأر لأخيهما الأكبر معاوية من بني مُرة، حتى إذا ما قُتل صخر أفنت بقية عمرها ترثيه: (وإنّ صَخراً لَوالِينا وسيّدُنا.. وإنّ صَخْراً إذا نَشْتو لَنَحّارُ). وعاش ثابت بن جابر، ويُكني تأبط شرًا، يثأر لنفسه وأبيه من العالم، كان ريحًا مرسلة بالخير للضعفاء، ونارًا تتأجج ضد المعتدين، صاحب الغول وعشق صفحة الصحراء. واندلعت الفتنة الكبرى بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان تحت شعار (يا لثارات عثمان).

 تاريخ طويل مكرر، عاشت القبائل تنشد الأشعار وتمد الولائم ابتهاجًا بالثأر، وفي الصباح تترقب جولات الانتقام. ولعل في حرب البسوس ما يخرج بنا عن القياس والمنطق، أربعون عامًا وتغلب وبني شيبان لا يرضيهما ديةٌ ولا صلح، والسبب ناقة. وصدق القائل (ومعظم النار من مستصغر الشرر)، وصدق نزار قباني حين قال (..... ها نحن ندخلُ عصرنا الحجري..  نرجع كل يوم، ألف عام للوراء).

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة