Close ad

«لن أعيش في جلباب أبي» .. رغبات الأهل تدفع بالأبناء إلى كليات ضد المستقبل.. من يعالج هذه الثقافة ؟

18-8-2022 | 19:26
;لن أعيش في جلباب أبي;  رغبات الأهل تدفع بالأبناء إلى كليات ضد المستقبل من يعالج هذه الثقافة ؟رغبات الأهل تدفع بالأبناء إلى كليات ضد المستقبل
داليا عطية

"لن أعيش في جلباب أبي" .. عنوان مسلسل شهير للرائع الراحل نور الشريف  وكتبة الكاتب الكبير احسان عبدالقدوس تحول إلى لافتات يرفعها طلاب الثانوية العامة عقب إعلان النتيجة وظهور احتجاجًا على رغبات الأهل التي تلاحقهم بمجرد ظهور ملامح مراحل التنسيق المختلفة وتجبرهم على ملء استمارة الرغبات بكليات تتناسب مع أهوائهم الشخصية وتحقق أحلامهم التي لم يسعفهم القدر لتحقيقها وليست تتناسب مع أهواء الأبناء ولا أحلامهم التي يتطلعون إليها وكأن هؤلاء الأبناء وكلاء لآبائهم ومسئولين عن تعويضهم عما فاتهم من كليات لم يمكنهم مجموعهم من الالتحاق بها فبات لزامًا على الابن والابنة أن يفعلوا ما لم يتمكن الأب والأم من فعله وأن يلتحقوا بالكليات التي فاتهم الالتحاق بها ليحققوا أحلام الكبار مقابل قمع أحلامهم هم ووأد ميولهم الشخصية التي إن التحقوا بكليات تتناسب معها سوف يتقدمون صفوف التعليم والعمل والإبداع ويصبحوا كعلم مصر حين تمر به نسمات الهواء يرفرفون أينما حلّوا فيلفتون إليهم الأنظار وتتنافس عليهم الفرص .

الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية

بأي ذنب حُرِمَت

"بأي ذنب حُرمَت" .. سارة عبد الله (اسم مستعار)، تخرجت في العام الحالي من الثانوية العامة بمجموع 93.41% وأجبرتها رغبة الأهل على الالتحاق بكلية الطب التي لم يتمكن الوالد من الالتحاق بها في الماضي بسبب مجموعه المنخفض بينما لا تتناسب تخصصات هذه الكلية مع ميول سارة التي تسبح  نحو دراسة التاريخ والتراث والآثار، وتلبية لرغبة الأب الذي اعتبرعزوفها عن اختيار كلية الطب خذلانًا وصدمة من ابنته الوحيدة التي لم يتأخر عنها في تلبية متطلبات التعليم ستلتحق سارة بكلية الطب لتُسعِد والدها.

حتى لا يحزن أبي

"حتى لا يحزن أبي" .. محمد عبد الرحيم (اسم مستعار)، تخرج العام الحالي من الثانوية العامة بمجموع 94% ويريد والده أن يرفع رأسه وسط عائلته وجيرانه بقرى الصعيد ويقول أن ابنه التحق بكلية الطب التي منعته ظروف أسرته المادية من استكمال مسيرته العلمية حيث اضطرته تلك الظروف الصعبة للخروج من المدرسة من أجل العمل وجلب الرزق لوالديه وأشقائه والآن وقد حصل ابنه على مجموع مرتفع في الثانوية العامة يعتبر الأب أنه قد حان الموعد ليعوضه ابنه عما فاته ولأن الابن قد نشأ وتربي في قرى الصعيد حيث المروءة والشهامة والوفاء بالعهد فسوف يلتحق بكلية الطب قائلًا :" حتى لا يحزن أبي"، أما هو فميوله تسبح نحو دراسة علوم الكمبيوتر قائلًا :" سأحاول خلق فرص لدراستها أثناء دراسة الطب أو بعد التخرج".

أحلام الأهل الفائتة

وبين سارة و محمد آلاف الطالبات والطلاب الذين ضحوا بأحلامهم نظير تحقيق أحلام الآباء وقمعوا ميولهم ورغباتهم الشخصية مقابل إحياء رغبات الأهل الفائتة ليجدوا أنفسهم في أول فرصة اختيار حقيقة لهم حيث اختيار الكلية المناسبة، محرومين من هذه الفرصة، مجبرين على إرضاء الأهل وليس أنفسهم، مُصيَّرين وليسوا مُخيرين، وكل ذلك بسبب ثقافات مُدمرة لمستقبل الشباب تمثلت في "ابني دخل كلية القمة" و "ابن فلانه بقا دكتور" و "بنت فلان حققت حلم ابوها اللي فاته"، لتصبح أحلام الأهل الفائتة فرض عين على الأبناء يجب أن يتطلعوا لتحقيقها ولا يَهُم أحلامهم هُم .

كليات ضد المستقبل

وليعلم الأهل ماذا يفعلون بأبنائهم حين يدفعون بهم إلى كليات ضد أهوائهم وميولهم الحقيقية عليهم أن يدققوا في هذه السطور التي تكشف عن كارثة مستقبلية تنتظر هؤلاء الأبناء إذ أكد الدكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية في حديثه لـ"بوابة الأهرام" أنهم معرضون للفشل الدراسي والتسرب من التعليم والتعثر الدراسي والسقوط المتكرر والتحويل لكلية أدنى والانشغال بجماعات السوء – دخول دائرة المخدرات – أو جماعات النشاط الجامعي كالرحالات الترفيهية لإلهاء أنفسهم عن الدراسة التي أُجبروا عليها، إلى آخره .

فشل مهني

وحتى إن تمكن الطالب من التخرج في الجامعة سيعقب هذا التخرج فشل مهني لأنه يعمل في مجال ضد ميوله وشغفه وطموحه،أو تغيير مجال العمل إلى مجال آخر يتناسب مع ميوله الشخصية فتضيع سنوات من عمره هباءً بسبب اختيارات الأهل الظالمة .

الميول الشخصية

إن التعليم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالميول الشخصية للطالب فبحسب حديث الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية يجب أن يختار الطالب الكلية بناء على رغباته وميوله الشخصية وليست رغبات وميول الأهل لأن هذا مستقبله هو ناصحًا الطلاب أثناء اختياراتهم وبعد أن يتأكدوا من توافق الكلية مع رغباتهم وميولهم أن يتحدثوا مع أحد طلاب الفرقة الرابعة في الكلية التي يريدون الالتحاق بها لمعرفة طبيعة الدراسة والتأكد من أنها تناسب قدراتهم العلمية .

"ادي العيش لخبازه"

ويضيف أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية أن اختيار الطالب للكلية المناسبة له هو حجر الأساس لحياته العلمية والمهنية بعد ذلك لأن هذا الحجر يتم وضعه عند اختياره للكلية وليس عند تخرجه في الجامعة قائلًا :" لا تلتحق بكلية من أجل تلبية رغبات الأهل واختر كلية تناسب ميولك ورغباتك وقدراتك حتى تتمكن من استكمال الدراسة بل وتستمتع أثناء الدراسة ومن ثَم تستكمل الدراسات العليا وتصبح مُبدعًا في مجالك ومميزًا وسط أقرانك وهذا التميز يتحقق بالمثل الشعبي الذي يقول "ادّي العيش لخبازه".

الدكتوره هالة يسري أستاذ علم الاجتماع بمركز بحوث الصحراء

التسرب من التعليم

وتقول الدكتورة هالة يسري أستاذ علم الاجتماع بمركز بحوث الصحراء، على الأهل أن يدركوا حقيقة الأمر وأن أبنائهم مشروع مستقل وليس مشروع ممتد لأحلامهم التي فاتتهم بسبب المجموع المنخفض أو الظروف الاقتصادية قائلة :" اتركوا لأبنائكم حرية الاختيار التي تتفق مع قدراتهم فهم الذين سيدرسون، لماذا نعذبهم بدراسة مناهج لا يطيقونها ونجبرهم على استماع دروس ضد شغفهم وطموحهم" محذره من أن يقودهم هذا الإجبار إلى التسرب والنفور من التعليم .

التفاخر الاجتماعي

وتضيف أستاذ علم الاجتماع بمركز بحوث الصحراء في حديثها لـ"بوابة الأهرام" أن ثقافة التفاخر الاجتماعي وتحقيق أحلام الآباء التي تضطر الأبناء إلى الالتحاق بكليات ضد رغباتهم الشخصية يجب أن تُعالج من خلال حملات توعية تتبناها وزارة الثقافة والأعمال الفنية ووسائل الإعلام المختلفة حتى يعلم الآباء أن ما يفعلونه مع أبنائهم يقودهم إلى مستقبل مشوه نفسيًا حيث دراسة مناهج عكس ميولهم وإلى فشل مهني حيث التخرج دون خبرات حقيقية ومن أين تأتي هذه الخبرات وقد ذهب الطالب إلى الكلية إرضاءً للأهل وليس حبًا في التخصص الذي يدرسه أو شغفًا للمادة التي يشرحها المُعلم.

وظائف المستقبل

وتنصح الدكتور هالة يسري بالتوجه نحو الوظائف الخضراء والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقمنة لما تتمتع به هذه المجالات من مستقبل واعد في سوق العمل الذي يتطلبها نظرًا لحداثتها ومواكبتها للعصر إذ لم تنحصر القمة في التحاق الطالب بكليات الطب والهندسة فقط وإنما القمة في نجاح هذا الطالب وتميزه وإبداعه في أي مجال يلتحق به قائلًا :" ما يًهُم هو أن أري ابني ناجحًا في مجاله ومميزًا وُمبدعًا وليس مجرد حاملًا لمسمى وظيفي توفره كليات القمة بينما هو يسبح بشغفه وطموحه نحو مجال آخر".

الدكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية

التجويد والابتكار

وهُنا يقول أستاذ الصحة النفسية الدكتور وليد هندي للآباء لا تقلقوا إن عزف أبنائكم عن كليات القمة أو حتى الكليات التي فاتكم الالتحاق بها في الماضي، مؤكدًا أن التحاق الأبناء بكليات تتفق مع طموحهم وميولهم الشخصية وشغفهم وموهبتهم سيعود عليهم وعليكم وعلى المجتمع بالنفع إذ يستثير ذلك الدوافع الداخلية للتجويد والابتكار والتميز والتقدم للصفوف الأولى في المرحلة الجامعية وكذلك بعد التخرج ودخول سوق العمل .

الإسراع والإثراء

كما يؤدي التحاق الأبناء بكليات يرغبون فيها إلى زيادة الرغبة لديهم في الاستذكار والتحصيل الدراسي وحضور المحاضرات ومتابعة المنصات والقنوات التعليمية المختلفة وقد ثبت علميًا أن من يلتحق بدراسة يحبها، دائمًا ما يعمل على أمرين، وهما الإسراع والإثراء فيصبح متعطشًا للدراسة غير صابرًا على الموعد المحدد لشرح المنهج فيذهب إلى سباق الزمن وقراءة المنهج قبل موعد شرح المُعلم له إضافة إلى الغوص في أعماق المادة العلمية بعيدًا عن أسوار الجامعة فنجده ينمي قدراته ويفتح لنفسه آفاقًا جديدة بالذهاب إلى مواقع تدريب عملية وحضور ورش عمل ودورات مختلفة وكل هذا بسبب تعطشه للمنهج الذي يدرسه ولن يتعطش أحدًا لشيء إلا لو كان مُحبًا له .

شغف الأبناء وطموحهم

إن كنا نريد لأبنائنا أن يصبحوا ناجحين وأن يحققوا لنا الفخر الاجتماعي وسط دائرة معارفنا وأن ترفرف أسمائهم كالأعلام داخل مجتمعنا وفي سائر المجتمعات فإن علينا منحهم فرصة الاختيار عند دخول الجامعة وتحديد الكلية التي يريدوها هم وليست التي نريدها نحن لأن أبنائنا مشروع حياة مستقل علينا إعدادهم جيدًا لهذه الحياة وما أكده خبراء علم الاجتماع وعلم النفس لـ"بوابة الأهرام" هو أن التميز والإبداع لن يأتي إلا باحترام أحلام الأبناء وشغفهم وطموحهم .

 

كلمات البحث