Close ad

التحري عن الأقارب للتعيين في الوظائف

16-8-2022 | 11:07

يعتبر التحري عن الأشخاص في الترشح للوظائف القيادية، أو حتى الالتحاق  لمسابقات التعيين للوظائف العامة فى الدولة، أحد الموضوعات الأمنية المهمة التى تحمى الأمن القومى والسلام الاجتماعي، ومن هذه التحريات ذات الصلة التى تستدعى الأجهزة الأمنية فى التحري  هى الترشح للترقى للوظائف القيادية العليا؛ سواءً كان بالاختيار أو حقه في الترقى طبقًا للضوابط واللوائح القانونية المنظمة للدرجات الوظيفية، أو الالتحاق في السلك القضائي والدبلوماسي والدخول في الكليات العسكرية و الشرطية...إلخ.

وعلى قدر ما لهذه التحريات من دور كبير من الأهمية لاننكره في اختيار الأصلح لتولى المناصب والوظائف، إلا أنها تصطدم ببعض الأمور والمشاكل التى تحد من تولى أحد المرشحين للوظائف أو التعيين فيها، ومنها أن تفتقد التحريات إلى طابع الجدية واعتماد الضباط المكلفين فى تحرياتهم على العقول الخربة في القرى والنجوع والمناطق الشعبية كمصدر سرى لمعلوماته وأغلبية هؤلاء يتم تجنيدهم كمخبرين سريين ويكونون من أصحاب السوابق وسيئي السمعة، أو يكون المرشح له قريب من أقارب السوء قد انضم إلى كيانات وتنظيمات إرهابية اتخذت من العنف سبيلاً لها فى القتل والتدمير والتخريب، أو يكون هذا القريب له سجل جنائي من اقتراف الجرائم في القتل والسرقة أو جرائم مخلة بالشرف، أو يكون المرشح نفسه غير محمود السمعة، كل هذه العوامل تتخذها السلطات العامة فى الدولة كذريعة لاستبعاد المرشح من الترقى للدرجات العليا أو التعيين في الوظائف العامة، وإن كنا نتفق في الأخذ بمعيار شرط حسن السمعة للمرشح والمعين وألَّا يكون قد تعرض إلى أى نوع من أنواع الجرائم الماسة بالأرواح أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، أو أى جريمة مخلة بالشرف، لأن خلو سجل المرشح من هذه الأفعال المشينة ضرورة لازمة فى حسن سيره وسلوكه المنضبط لابتغاء العمل الجاد والارتقاء به؛ لأن المشرع المصري يحافظ على مكانة الوظيفة العامة والأجدر للترشح لها أو التعيين فيها كحق للمواطنين على أساس الكفاءة والجدارة من أجل رعاية مصالح الشعب وتحقيق المصلحة العامة للدولة، وفى المقابل تكفل الدولة حماية القائمين على هذه الوظائف من المكلفين بها، وأن ترعى حقوقهم دون تمييز بينهم.

وإن كان التحري لا يمس المرشح نفسه في سلوكه ولكن يمس أقاربه السوء، وتقوم الأجهزة الأمنية والرقابية بتحميله كل من يقع على عاتقه من "أوزارهم"، يكون التحرى قد سلك مسلك الخطأ في المهام المكلف بها، ويصبح المرشحون الأكفاء مستبعدين من تولى الإدارة العليا أو حتى تعيين المرشحين الأجدر والكفاءة لها، ويتسرب لتولى هذه المناصب والتعيين فيها الجهلاء والمتسلقين والطبقات الدنيا لأن التحري لديهم اعتمد على وثائقهم الإدارية من شهادة ميلاد الأب والأم أو بطاقة الرقم القومي، فى عدم وجود صحة إسناد إلى هذا المرشح الردىء بأن أفراد أسرته لا توجد لديهم أى شبهة جنائية تعوق ترشحه، وإن كانت الدولة تحمل المرشح الكفء أوزار أهله باستبعاده عن تولى القيادة أو التعيين في الوظائف، تكون الدولة قد أساءت الحق فيما من يتولى الوظيفة العامة أو التعيين فيها، وتكون سببًا في أزمة تجريف العقول من النوابغ من أبناء الوطن وهروبهم إلى الخارج ويشتد العداء منهم للدولة بفقد روح الانتماء والوطنية لهم، وينكمش العمل الوطني وينشط العداء السرى للدولة وتكون العلاقات الاجتماعية والإنسانية في خطر، ويكون المتضررون أكثر الشخصيات عرضة للأفكار المتطرفة التى تهدد استقرار وأمن البلاد ، وليس هم وحدهم بل الشخصيات القريبة منهم فى الأسرة الصغيرة، وبالتالي يزداد أعداء البلاد ويسعد العضو الفاسد فى العائلة؛ لأنه نجح فى أن جعل الأعضاء الصالحين الوطنيين فى عائلته يفقدون الانتماء الوطني بسببه، لأن الدولة لم تقم بحماية العضو الصالح وترسيخ قيم الانتماء الوطني لديه؛ بل جعلته مثل العضو البغيض صاحب الأفكار الخاطئة التى تضر الأمن وتهدد سلامة المجتمع بتحمله خطيئة أخيه، وتعد ذلك أخطاء وانحرافات ترتكبها الحكومة في حق الشخصيات الوطنية التى لا ترتكب أى جريمة فى حق الدولة والمجتمع، واختيار التحريات الأمنية الطريق الأيسر من حيث الظاهر دون الغوص في أعماق الحقيقة بأن قريبًا له منتمٍ إلى إحدى التنظيمات أو الجماعات التى أنشئت مخالفة لصحيح القانون، أو ارتكب جريمة جنائية أو مخالفة قانونية وقد تنسى تلك الجهات أو تتناسى أن الدستور الإلهى نهى عن أن تحمل نفس مذنبة ذنب أخرى؛ بل إن كل شخص مذنب يحمل ذنوبه هو فقط، حتى لو كان قريبًا منه، وقد قال تعالى فى ذلك: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } (الآية ١٨سورةفاطر) وقال أيضًا: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} (الاية ١٣ سورة الإسراء) و{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}( الاية ٣٨سورة المدثر) وفى الحديث الشريف عن عبدالله بن مسعود قال صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "لا يُؤخَذُ الرَّجلُ بجِنايةِ أبيه، ولا جِنايةِ أخيه"، أي: لا يُعاقَبُ أحدٌ بدلًا من غيرِه، بلْ كلُّ نفْسٍ بما كسَبَت رهينةٌ، فيَحمِلُ كلُّ إنسانٍ آثامَه وأوزارَه.(أخرجه النسائي 4127).
 
يكون بذلك الإلزام الإلهى والحديث الشريف أنَّ من يحمل الإثم هو من يرتكب الذنب لأن كل فرد مسئول عن أفعاله وأخطائه ولا يتحمل شخص أخطاء شخص آخر ولو كان ذا قربى، والدستور الوضعى تنص المادة ( 95 ) منه على أن "العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائى..."

وفى حكم تاريخى حديث ورائع للمحكمة الإدارية العليا بشأن التحرى عن الأقارب للتعيين في الوظائف بقولها بأن "التحريات الأمنية يجب ألا تمتد إلى الأعمام، وأزواج العمات والخالات ليسوا من الأقارب، ويجب أن تقتصر على الأسرة الأصغر المكونة من المرشح ووالديه وإخوته، إجمالا وتفصيلا والمعول عليه فى التحريات الأمنية هى الأسرة الصغيرة والعم ليس منها، ومفهوم الأسرة الصغيرة يقتصر على الوالدين والإخوة والأخوات ممن يخالطون المرشح للوظيفة القضائية، والعم ليس منها وزوج العمة وزوج الخالة لا يعدان من الأقارب ولا يدخلان في مفهوم الأسرة الصغيرة...." هكذا تكون المحكمة الإدارية العليا قد أسدلت الستار في معرفة الأسرة الصغيرة بشأن التحرى عن الأقارب للتعيين في الوظائف، ويجب أن يكون معلومًا للكافة ولا أحد من المسئولين يجهل هذه الأحكام لكى تتغير المثالب بخصوص التحريات التى كانت سببًا في ظلم الكثير من أصحاب الكفاءات العلمية الوطنية دون اقتراف ذنب أو جريرة حتى أصبحت عدم جديتها فى التحرى والكسل جريمة بلا عقاب.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة