Close ad

أنا عبد يا سيدي.. هكذا نطق «بشر»

14-8-2022 | 16:09
الأهرام المسائي نقلاً عن
  • كان أميرًا من أمراء البصرة وكان له قصر كبير يضرب به المثل في البذخ وليالي الأنس والمجون والمغنيات والذي يمر بجواره كان يسمع ذلك.
  • وفي إحدى الليالي طرق الباب رجل أثناء اللهو، فتحت له إحدى الجواري الباب، رأت أمامها رجلًا بسيط الهيئة سألها: صاحب هذه الدار حرٌ أم عبد؟ ظنته مجنونًا وقهقت من سؤاله، وأغلقت الباب في وجهه وهي تقول: ألا تعرف فلان أمير البصرة.
  •  سألها الأمير صاحب الدار عما جرى فحكت له القصة واصفة الرجل بالجنون، دخلت كلمة حر أم عبد في قلب الرجل، فركض يجري خلف الرجل حافيًا قائلًا له: ماذا قلت للجارية قال: سألتها صاحب هذه الدار حرٌ أم عبد؟ فبكى «بشر» وهو يقول للرجل: أنا أشهدك أمام الله أني عبد، وسأعيش عبدًا وسأبقي عبدًا وسألقى الله عبدًا.
  • وقع في قلبه أنه ما دام عبدًا لله فلابد أن يتصرف في الحياة ومع الله تصرف العبيد، فما دمت دخلت في باب العبودية لله عليك أن تتحرر من عبودية الأغيار، الله يغار ولا يقبل له شريكًا، فمن عبده لابد أن يترك عبادة غيره، عبادة الدينار والدرهم والجاه والمنصب، وإلا فلن تكتمل عبوديته لله أو نقصت أو نقضت عبوديته.
  • فكلمة لا إله إلا الله معناها بحق نفي الأغيار، فلا تكتمل عبودية الله الحقة إلا بالإخلاص الكامل والتجرد لله.
  • بداية توبة وهداية الزاهد المعروف بشر الحافي لحظة صدق وتجرد وعبودية حقة لله، جعلته ينسى جاهه ومظهره وهيبته أمام الخلق ليذهب حافيًا إلي الله، ليشهد الخلق أنه عبد لله، سيعيش كذلك ويموت عليها ويلقي الله عليها.
  • لحظة إضاءة نادرة قد تمر بأكثرنا ولكننا قد نفوت علي أنفسنا ومضة الإيمان الباهرة التي تضيء في قلوبنا، فإذا بالشعلة تنطفئ وتخفت مرة أخرى لنعود إلي ظلمة ووحشة ووحل العصيان.
  • مر «بشر» يومًا فوجد ورقة مكتوب فيها اسم الله قد وطئتها الأقدام فارتعد قلبه حينما رأى اسم الله يهان على الأرض، فالتقطها واشترى طيبًا طيب به الورقة ووضعها في شق حائط، فرأى في منامه من يناديه: يا بشر طيبت اسم الله ليطيبن الله اسمك في الدنيا والآخرة.
  • عاش الرجل حياته كلها لله وفي الله وفي طريق الله"حتى فاق أهل عصره في الورع والزهد وتفرد بوفور العقل وأنواع الفضل وحسن الطريقة واستقامة المذهب وعزوف النفس وإسقاط الفضول"كما جاء في ترجمة الخطيب البغدادي له، وكانوا يعدونه من الأبدال، وكانوا يقولون عنه"ما أخرجت بغداد أتم عقلًا من بشر الحافي ولا أحفظ للسانه فقد عاش خمسين عامًا لم يغتب فيها أحدًا وما رأينا أفضل منه".
  • لقد عاش بشر أعظم حقائق الكون"تعظيم الحق سبحانه والرحمة بالخلق"الجمع بينهما صعب وشاق، ولكنه يسير على من عاش بقلبه ومشاعره وجوارحه مع الله.
  • الناس تسير إلى الله بقلوبها، الله لا يحتاج إلينا ولكننا نحتاج إليه، الله غنى عنا ونحن الفقراء إليه نحن ملك لله ومن دخل على الله من باب الانكسار نجح وأفلح.
  • وصدق الشيخ الشعراوي حينما قال "ادخلوا على الله من باب الانكسار فليس على هذا الباب زحام" كلنا يريد الكبر والشموخ والعلو والأموال والمناصب والرتب، وقليل منا من يحب الانكسار لله والتواضع لخلقه.
  • لقد تأدب قلب «بشر» بأدب العبودية بين يدي مولاه، وبدأ حياته وختمها بالتوبة والإنابة، وعاش انكسار قلبه وما أحلاها من كسرة بين يدي مولاه الحق، فمن ذل لله عز، ومن انتصر بالله ما ذل ولا هان، ومن اهتدى بهداه ما ضل، ومن اتقاه ما زل، ومن افتقر في نفسه وطلب غناه ما قل.
  • فذل العبد أمام مولاه الحق بالليل هو سبيل عزته بالنهار، ومن أقبل علي الله ذراعًا أقبل الله عليه باعًا، ومن آتاه يمشي أقبل عليه هرولة.
  • يقبل العمل اليسير، ويغفر الذنب العظيم، ويستر القبيح ويظهر الجميل، ولولا ذلك لافتضح أكثر الخلق، يصبر ويحلم علي ابن آدم وهو القادر عليه.
  • "الله"هو أعظم حقيقة مطلقة في الوجود لا مراء فيها، من أنكرها فلا خير فيه، ومن جحدها فلا أمل فيه، فلولاه سبحانه ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، ولولاه سبحانه لكنا عدما، خلقنا وسوانا، سترنا وآوانا، أطعمنا وسقانا، زوجنا ورزقنا الذرية الطيبة من غير حولٍ منا ولا قوة، رزقنا وأكرم مثوانا، خيره علينا نازل وشرنا إليه صاعد، يتقرب إلينا بالنعم وهو الغنى عنا، ونبتعد عنه بالمعاصي ونحن أحوج ما نكون إليه سبحانه.
  • آه..لو عشنا مثل تلك المعانى التي عاشها بشر الحافي الذي كان يخاف من شهرته بين الناس فيقول"ما اتقي الله من أحب الشهرة"، "لا تعمل لتذكر، اكتم الحسنة كما تكتم السيئة" لقد سترني ربي في الدنيا فليته لا يفضحنى يوم القيامة".  

       سلام على أولياء الله في كل مكان وزمان..

كلمات البحث