Close ad

متى نستقر على نظام تعليمي ؟!

13-8-2022 | 13:52

 الهدف من التعليم في أي دولة هو صناعة الأشخاص المطلوبين والقادرين على النهوض بهذه الدولة في مختلف القطاعات، لأن التعليم هو القاطرة التي تقود مختلف أوجه الحياة، والسؤال الذي يطرح نفسه منذ عقود - ولا يزال بلا إجابة شافية – هو: متى نستقر على نظام تعليمي في مصر، يواكب العصر، ويقوم على حرية البحث والابتكار والإبداع، ويعتمد منهجية التدريب على التفكير وإعمال العقل، أكثر مما يعتمد على الحفظ والتلقين، بعد أن أصبحت مصادر المعرفة والعلم متاحة أمام الجميع عبر الإنترنت والوسائط التعليمية والقنوات التعليمية وبنوك المعرفة، وغيرها الكثير.
 
عقود كثيرة مضت ولا يزال التعليم في مصر في غرفة الإنعاش، سمعنا كثيرًا وسنسمع أكثر عن خطط وبرامج لوذعية لحل هذه المعضلة المزمنة، ولكن بلا جدوى، إننا نحتاج الآن وأكثر من أي وقت مضى، إلى نظام تعليمي مستقر، يسعد به النشء، ولا يكون عبئًا وحملًا ثقيلًا على كاهل جميع الأسر المصرية، ففاتورة التعليم باتت باهظة، في كافة مراحله من  "kg" وحتى الجامعة، وكل وزير يتولى المسئولية نجده يرفع شعار القضاء على الدروس الخصوصية، والواقع عكس ذلك تمامًا، فالتعليم أصبح متاحًا في كل مكان في "السناتر" ومجموعات التقوية، وغيرها ولكنه خارج أسوار المدارس.
 
رحلة عذاب تعيشها كل أسرة مصرية، لديها أولاد في أي مرحلة تعليمية، بسبب الفوضى والقرارات المتضاربة والألغاز والطلاسم، التي تحتاج إلى علماء في اللغة "الهيروغليفية" لفك طلاسمها، تبدأ بالبحث عن مكان في مدرسة، مرورًا بالكعب الداير على سناتر الدروس الخصوصية، ونهاية بالثانوية العامة التي باتت كالكابوس الذي يجثم على صدور الطلبة وأولياء أمورهم، حيث يتحول المنزل، الذي به طالب في المرحلة الثانوية إلى ثكنة عسكرية طوال الثلاث سنوات.
 
ومما يدعو للأسى والحزن في آن أن معظم المسئولين في المدارس بداية من المدير والناظر وحتى أحدث مدرس، لا يعرفون "الألف من كوز الذرة" عن نظام الامتحانات، أو من أين تأتي الأسئلة هل من الكتاب المدرسي أو القنوات التعليمية أم بنوك المعرفة أو الكتب الخارجية، والإجابة الوحيدة المؤكدة الآن جاءت على لسان الأوائل، الذين أقر معظمهم ، بالاستعانة بالدروس الخصوصية في "السناتر"، وبمجموعات التقوية، أي أن التعليم غاب عن المدارس.
 
إقرار نظام تعليمي مستقر- عادل، يفتح آفاق الأمل والطموح أمام الطلبة وأولياء الأمور، بات ضرورة ملحة، لأن نظام التعليم الحالي، الذي يعد بمثابة "كوكتيل" بين التعليم الخاص والعام والتجريبي والدولي، يلتهم السواد الأعظم في ميزانية أي أسرة، ناهيك عن العبء النفسي، فنحن نريد نظامًا تعليميًا، يفتح آفاق الحلم والأمل أمام الطلبة، بحيث يذهب الطالب أو التلميذ إلى مدرسته وهو سعيد، مقبل على الحياة، ويجد معلمًا قدوة ومثلا أعلى في العلم والأخلاق، ويجد مدرسة حديثة مزودة بأحدث ما وصل إليه العلم من أجهزة ومستلزمات تعليمية حديثة.
 
والحقيقة التي يعيشها الجميع الآن أن مقولة التعليم بالمجان كالماء والهواء، ذهبت مع الرياح ولم يعد هناك تعليم مجاني، في أي مرحلة، فالدروس الخصوصية تصاحب الطفل من الحضانة حتى الجامعة، فلماذا لا تتوسع الدولة في إقامة المدارس اليابانية والتجريبية، وتكون بمصروفات معقولة، بشرط أن يكون فيها تعليم حقيقي، لا يحتاج معه الطالب إلى دروس خصوصية، ولا كعب داير على السناتر، ويكون التعليم مجانًا تمامًا لغير القادرين وذوي الهمم والمستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية "تكافل وكرامة" وغيرها، وساعتها فقط سيتم القضاء على مشكلة الدروس الخصوصية المزمنة، وسنرحم الطلبة وأولياء الأمور من جشع واستغلال المدارس الخاصة والدولية.
 
ولن يتحقق ذلك إلا بإعادة الهيبة والاحترام إلى المعلم، لا أقول مثل اليابان، التي تقدس العلم والعلماء وتبجل المعلم وتضعه في أعلى السلم الوظيفي، وتصل درجة تقدير المعلم، إلى أن هناك مثلًا يابانيًا يقول: "اجعل بينك وبين المعلم سبع خطوات حتى لا تخطو على ظله"، ولكن يحدث عكس ذلك تمامًا في مصر، لذا يجب أن يبدأ إصلاح التعليم بالاهتمام بالمعلم ماديًا ومهنيًا ونفسيًا.
 
وحتى لا تتكرر ظاهرة الغش الجماعي، وخاصة في الشهادات العامة، وتحديدًا "الثانوية"، يجب البحث عن آلية جديدة غير قابلة للاختراق، للإشراف على امتحانات الثانوية العامة، وحتى لو استدعى ذلك، تقسيم الجمهورية إلى 3 قطاعات، وإجراء الامتحانات على 3 مراحل، مع وضع امتحانات مختلفة، ولكنها متكافئة، وأن تجرى الامتحانات تحت إشراف القوات المسلحة، لأنها وبحق هي الجهة الوحيدة القادرة على إدارة هذه الامتحانات بدون تجاوزات، أو اختراقات، ناهيك عن مصداقيتها وحب الشعب المصري كله واحترامه لها، لأنها هي الدرع والسيف، في السلم والحرب.
 
وكلنا يحلم ويأمل في نظام تعليمي، يكون منتجه النهائي عنصر بشري مؤهل ومسلح بالعلم، يكون قادرًا على النهوض بالدولة المصرية في مختلف القطاعات، نحلم بأن نكون مثل اليابان عندنا 60 ألف عالم لكل مليون نسمة، وأن يكون لدينا 800 ألف عالم في مراكز الأبحاث والتطوير مثل اليابان، التي يتجاوز ما لديها من علماء ما لدى بريطانيا وألمانيا وفرنسا مجتمعة، وهذا ليس ببعيد المنال عن مصر الجديدة التي تمتلك الرؤية والإرادة والحلم، والقدرة على التنفيذ، وصنع المعجزات.
 
[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة