Close ad

بطون خاوية ورجاء مقطوع!

13-8-2022 | 12:40

في 2015 بدا أن الأمم المتحدة انتبهت أخيرًا إلى تزايد عدد الجوعى والفقراء في العالم؛ بفضل الحروب التي يشنها الغرب وعملاؤه في العالم على الأبرياء والآمنين ليزداد عدد المشردين والعاطلين واللاجئين، ثم إذا بالنظام العالمي ينتبه فجأة أن ثمة مشكلة اسمها الفقر تنتشر كالوباء، وأن عائلات بأكملها تبيت يوميًا على بطن خاوية ورجاء مقطوع!
 
كانت الأمم المتحدة قد أَقَرّت، سنة 2015، برنامج "أهداف التنمية المستدامة"، ويتضمّن القضاء على الجوع، بل وتحسين تغذية البَشَرِية وتحقيق الأمن الغذائي بحلول 2030، لكن هذه الأهداف أصبحت في خَبَر كانَ؛ إذ لم تستجب خزائن أمريكا أو أوروبا ولا أيادي البنك الدولي ولا جيوب الجهات المانحة لدعوات الأمين العام للأمم المتحدة كأنه صاح في قوم من الصُم.
 
ثم حدث أن جاء وباء “كوفيد-19”ما أدى لإغلاق مؤسسات الإنتاج والنّقل والتجارة وانخفاض دخل العمال والفُقراء وإتلاف المحاصيل الزراعية وهو ما تسبب في تعميق الفجوة الطّبقية على مستوى عالمي، فارتفعت ثروة أغنى أغنياء العالم، بفعل المُضاربة لا بفعل زيادة الإنتاج وأصاب الفَقْر المدْقَع عشرات أو مئات الملايين، ما أدّى إلى زيادة عدد الفُقراء والجائعين في العالم.
 
الجوعى كأرقام!
مرت السنوات الثقيلة على فقراء العالم في انتظار تعاطف أغنياء العالم، لكنه لم يأت أبدًا خاصةً في سنوات الوباء وخلال الحرب الروسية - الأوكرانية التي توحش فيها الرأسمال العالمي وغرس أنيابه ومخالبه في أرزاق الناس ليخرج بأكبر حصيلة ممكنة مستغلًا الأزمة أسوأ استغلال.
 
وفى المقابل بخل الرأسمال العالمي عندما طولب بمساعدة الفقراء الذين استغل فقرهم وكانوا سببًا في غناه فرفض وراوغ، هذا ليس ادعاء مني أو تجنيًا؛ بل هو ما صدر عن الأمم المتحدة!
 
ففي قمة الأنظمة الغذائية التي عقدت في سبتمبر 2021 قدّر الأمين العام للأمم المتحدة عدد العاجزين عن تحمل تكاليف نظام غذاء صحي يومي بثلاثة مليارات شخص! في ذات الوقت الذي يعاني فيه مليارا شخص من سمنة مفرطة!! ونحو نصف مليار يعانون أمراض سوء التغذية، وسبعمائة مليون يأكلون يومًا ويجوعون أيامًا.
 
كل تلك الأرقام قديمة في كشوف ما قبل جائحة كورونا، فكيف بالأرقام اليوم بعد الأزمة الأوكرانية؟ في الجهة الأخرى يهدر الأثرياء تلالًا من الغذاء والطعام إهدارًا، وهم أنفسهم الذين يسيطرون من خلال الشركات العابرة للقارات على الموارد الطبيعية والأراضي الخصبة ومصادر المياه؛ بهدف منافسة الإنتاج الزراعي العائلي المصغر؛ مما يقضي على التنوع البيولوجي أمام هجمة الثمار المعدلة وراثيًا.
 
لقد نشرت الأمم المتحدة في أعقاب هذه القمة بعض التّقديرات لحجم الدّمار الذي خَلَّفَهُ استيلاء رأس المال وشركاته العابرة للقارات على الأراضي الصالحة للزراعة وعلى المياه والإنتاج الزراعي والحيواني، وهو ما أطلقت عليه الأمم المتحدة عبارة "التكاليف الخفية" للأنظمة العالمية للأغذية، وقدرت قيمتها بقرابة 20 تريليون دولار سنويًا، بخلاف الضحايا والثكلى والهالكين الذين سقطوا فريسة تجارب مشبوهة ومنتجات مسرطنة، ونظم عمل تشبه السخرة، يضاف إلى كل هذا آثار تغير المناخ والدّخل غير العادل، ولا أحد يتحمل الكلفة سوى الفئات الكادحة، من صغار الفلاحين والنساء والشباب.
 
تظل تلك المشكلة في أوراق الأمم المتحدة مجرد إحصاءات وأرقام لا تعني للقادة وأغنياء الحروب وأثرياء الأوبئة أكثر من حبر على ورق!
 
اقتصاديات ما بعد الجائحة
الأرقام أكدت ارتفاع ثروة أغنى 10 أشخاص بالعالم بمقدار 413 مليار دولار سنة 2020، سنة انتشار الوباء والإغلاق. وهذا هو مبلغ الزيادة لا مقدار الثروة الإجمالية، وهو ما يفوق حاجة الأمم المتحدة لتمويل برامج المساعدات الإنسانية العالمية للعالم بأكمله بإحدى عشر ضِعْفًا!!!
 
ما زلنا مع أرقام الأمم المتحدة التي أكدت ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي بمقدار 51 مليار دولار، وقد ساهمت هذه الأسلحة في تهجير قرابة خمسين مليون شخص من مناطق سكنهم في سنة واحدة! حدث هذا بسبب استخدام التجويع وحرمان المدنيين من الغذاء والماء وتعطيل وصول الغذاء والدّواء (كما في سوريا واليمن) كسلاح حرب، فضلًا عن تجريف الأراضي وإحراق المحاصيل وقتل المواشي وقصف الأسواق، بحسب تقرير منظمة أوكسفام.
 
المسألة المؤسفة هنا أننا إذا قمنا بمقارنة مختلف التقارير التي تُصدرها منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الخيرية والإنسانية لمسنا بوضوح سطحية الحُلُول المُقترَحة، فهي في معظمها لا تُشير إلى مسئولية الدول الغربية والشركات الكبرى في استيلائها على المحروقات والمناجم وشركات الزراعات الصناعية، بل وهيمنتها على الحكومات التابعة في بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، وقيامها بالاستحواذ على سواحل الصومال؛ بل والأراضي وطرد الفلاحين منها.
 
الغرب الرأسمالي هو المسئول عن إطلاق النزاعات المسلحة والحروب العدوانية شرقًا وغربًا، لكن الأمم المتحدة تعكس موازين القوى لصالح الدّول الكبرى التي استغلت الأمم المتحدة لتبرير العدوان على العديد من البلدان والشُّعُوب. 
 
إن من بين الأرقام الأممية المضحكة المبكية تحديد خط الفقر العالمي بمبلغ 1.9 دولار يوميًا! كيف وخبراء التغذية يؤكدون أن أقل تكلفة عالمية لنمط غذاء صحي لا تقل عن عشرة دولارات يوميًا على الأقل، ناهيك عن باقي تكاليف المعيشة.
 
أهذا ما استطاعته الأمم المتحدة أمام حظر المؤسسات المالية الدائنة دعم أسعار الغذاء! كيف للفقراء بل لمتوسطي الدخل أن يكافحوا تداعيات الفقر الذي يهاجمهم من كل ناحية وصوب؛ والفضل لسياسات التجويع والتشريد والتهجير التي يجيد الغرب تنفيذها باقتدار!
 
معضلة الفقر.. إلى أين؟
البروباجندا اليومية المنتشرة في أنحاء المعمورة تقول: إن برامج الأمم المتحدة والبنك الدولي تهدف لمكافحة الفقر وحماية البيئة، من خلال مشروعات كهرومائية وزراعية وصناعية، والحقيقة أن برامجها تلك أسرعت بعمليات إبادة الغابات وتدمير رئات الكون وتهجير وتشريد ملايين البشر.
 
هذا ما يؤكده (ميشيل تشوسودوفيسكي) في كتابه (عولمة الفقر) ويضيف قائلًا: (لقد أدت برامج تثبيت الاقتصاد الكلي والتكييف الهيكلي التي فرضها صندوق النقد الدولي على البلدان النامية منذ أوائل الثمانينيات إلى إفقار مئات ملايين من الناس وانهيار القوة الشرائية الداخلية فظهرت المجاعات وأغلقت المدارس والمؤسسات الصحية وانتشرت الأمراض المزمنة والمعدية المهلكة)، لقد هلك الناس حول العالم جراء مخططات زبانية المال وشياطين الاقتصاد الدعاة لمكافحة الفقر وهم صانعوه!
 
المدهش في الأمر أن المبلغ الذي أعلنت منظمة الأمم المتحدة حاجتها له لإبعاد خطر المجاعة على مستوى العالم لا يزيد على سبع مليارات دولار فقط!! فهل عجزت دول العالم مجتمعة عن توفير مثل هذا المبلغ الزهيد لإنقاذ فقراء العالم؟ نعم، للعجب هذا ما حدث! ومعظم هؤلاء الواقعين على شفا المجاعة هم من الشعوب التي دمّرت الدول الغربية بلدانها وقطعت سُبل عيشها، فمن يحاسب المسئولين عن هذا التّدمير والتّخريب المُمَنْهَج والمُصَمّم سلفًا والذي لا يليق به إلا لفظ "الإجرام".
 
الحل الذي يجتمع عليه قادة دول الغرب دائمًا هو هو لا يتغير منذ ظهوره من عشرات السنين، وهو حل جهنمي سحري يبدو براقًا في ظاهره، بينما جوهره أكاذيب وأخاديع وباطل في قلب باطل أعظم! إن الحل الدائم على لسان الدول المانحة: "المعونات والمساعدات الغذائية"!
 
في كتابه (صناعة الجوع ) يؤكد جوزيف كولنز وفرانسيس مور تحت عنوان "الغذاء كسلاح" أن الاستخدام السياسي والعسكري للمعونة الغذائية للولايات المتحدة ليس شيئًا جديدًا، وضرب عشرات الأمثلة التاريخية لتلاعب الدول العظمى بالشعوب والدول بخديعة معونة محفوفة بالأشواك والشراك.
 
بيانات الأمم المتحدة ذاتها توصلت إلى نفس النتيجة الواضحة كالشمس فأعلنت تقول: (إن حل قضية الجوع والفقر لن يتحقق من خلال المنح والمساعدات الظرفية، بل بالقضاء على احتكار الأغذية والتّحكّم بأسعارها، وبوضع حدّ لشروط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمُقْرِضِين المهيمنة على أسعار الغذاء).. فهل يجد الجوعى في العالم صدى لنداءات الأمم المتحدة لدى الزعماء والقادة والأغنياء؟
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة