Close ad
7-8-2022 | 15:52
الأهرام المسائي نقلاً عن

كثيرًا ما توقفت متسائلًا أمام بيت شعر أبي فراس الحمداني، (وفيتُ وفي بعض الوفاءِ مذلةٌ لآنسة في الحي شيمتها الغدر)، في رائيته التي ما إن قرأتها أم كلثوم حتى توقفت أمامها وأبت ألا تنصرف قبل غناء مقاطع منها مع بعض التصرف، فاستبدلت (لآنسة في الحي..) بـ (لفاتنة في الحي..).

شاعر مرهف الإحساس يتقد فؤاده بجمر الحب، فإذا ما هبت ريح الشمال تأججت نيرانه، كتب قصيدته تلك خلال فترة أسره في بلاد الروم، مُسترجعًا فيها إحدى قصص حبه، فتساوت لوعة الحب بلوعة الأسر ومرارته، زاد منها تأخر ابن عمه؛ سيف الدولة الحمداني، في إرسال فديته.

اللافت في أمر شاعرنا، وربما تعجُبِنا أيضًا، لا يرجع فقط إلى حبه لفتاة يعلم أنها قد تغدر به في أي وقت، بل تصريحه بذلك، مما يمنحها ضوءًا أخضر لتمارس هوايتها معه.

لكننا لا نلبث نتساءل ما الذي جعله يتمسك بها وهي على هذه الجملة من الصفات المنبوذة التي شملت الغرور إلى جانب الغدر، (فقلت كما شاءت، وشاء لها الهوى .. قتيلك! قالت: أيهم؟ فهمُ كثر)، وفوقهما تضييع الأمانة (حفظتُ وضيعتِ المودة َ بيننا .. وأحسنَ منْ بعضِ الوفاءِ لكِ العذرُ).

ويرجع تفسير ذلك إلى ما شب عليه أبو فراس من خصال مروءة وشجاعة وإيثار، فإذا اقتنع بشيء مات في سبيله، فتراه يقول في أحد مواضع القصيدة (وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ)، عاشق ضيعه حبه ومحبوبه.

ولعلك سيدي القارئ تتساءل، أيضيعُ الحبُ العاشقَ. اقرأ معي أبيات نزار قباني (ومالي أراك في كل الوجوه؟ أغزوت عيني أم غزتك الأماكنُ! لماذا أراك في كل شيء كأنك في الأرض كل البشر!! كأنك درب بغير انتهاء، وأني خلقت لهذا السفر). فما من محب بلغ هذا المبلغ من العشق وقسى عليه محبوبه إلا ضيعه.

ومن وجوه القسوة، كثرة اللوم لسبب أو لغير سبب، حينها يتكدر عيش المحبوب وتُراه لا يهنأ بحبٍ ولا بحبيب. لا فرق في ذلك بين رجل لا تعرف له اسمًا أو رسمًا، وبين أميرٍ فارس حفظ التاريخ قوله (سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم .. وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ).

وبالعودة إلى بيت أبي فراس (وفيت وفي بعض ....)، ألا يحتمل أن تكون القافية قد فرضت نفسها على شاعرنا فاضطرته إلى ختم البيت بكلمة (الغدر).

أكاد أجزم أن لا، فشاعر في قدر الحمداني لا تضطره القوافي إلى ما لا يرغبه، فاللغة على لسانه سبيكة مصهورة يُشكلها ويطوعها لرغباته كيف شاء، ويكفيه في ذلك مقاطع عديدة مما نظم من شعر، منها ما هو باقي الذكر حتى الآن (وليت الذي بيني وبينك عامر .. وبيني وبين العالمين خراب/ إذا صح منك الود فالكل هين .. وكل الذي فوق الترابِ ترابُ).

وذلك على خلاف ما وقع مع قاضي مدينة (قُم) الإيرانية، حين انتابت الوالي أعراض زائفة لنَظمِ الشعر، فقال مدعيًا، (أيها القاضي بِقُم)، ثم توقف لبرهة محتارًا لا يدري كيف يُكمل، ثم استطرد على عجل وكأنه يبصق ما في فمه (قد عزلناك فَقُم).

عُزل القاضي المشهود له بالعدل والحكمة ثمنًا لجهل والي وإعراضًا عن الرجوع في كلمة صدرت منه دون أن يعنيها، حتى بعد ما استدرك معتذرًا، (والله ما عزلتك إلا القافية).

كم تخسر المدن من الكفاءات جراء ادعاء المعرفة. وعفا الله عن شاعرنا أبي فِراس، فحسبه ما كابد من لوعة، وحسبُها ما حملت من صفات توارت خلف جمالها الفتان.

كلمات البحث