راديو الاهرام
3-8-2022 | 17:42

أسوأ أشكال وأنماط الأعمال الإبداعية وأكثرها شراسة، وبصفة خاصة الوثائقية منها، تلك التي تقلب وتزيف حقائق ووقائع ثابتة البراهين، وتسعى لطمسها، وتحول القتلة والسفاحين وعتاة الإرهاب إلى شخصيات لطيفة وديعة لا هم ولا شاغل لهم سوى إجهاد أنفسهم في التفكير، حول كيفية إسعاد الآخرين وتحقيق الرخاء، والنماء، ومد أجنحة السلام على أوطانهم وجيرانهم الأقربين والبعيدين والبشرية جمعاء، إن أمكن.

هذا بالضبط ما فعله - حرفيًا - فيلم وثائقي أنتجته منصة «نتفليكس» أخيرًا، واختارت له عنوانًا موحيًا ومغريًا، هو «لا تتوقف أبدًا عن الحلم... حياة وإرث شيمون بيريز»، وأخرجه الأمريكي الحائز على جائزة الأوسكار «ريتشارد ترانك»، ويمتد عرضه لأكثر من ساعتين.

على مدار هاتين الساعتين يتم - باستفاضة وبعبارات بلاغية فخيمة - استعراض حياة بيريز، منذ مولده في قرية «فيشنييفا» البولندية عام ١٩٢٣، والتي كان يقطنها ألف يهودي كلهم، دون استثناء، من المؤمنين المخلصين للصهيونية، حتى وفاته في ٢٠١٦ عن عمر تجاوز الـ 90 عامًا، ولم يبخل الفيلم الوثائقي بنعت بيريز بكل الصفات الحميدة المرجوة والمنشودة في القاموس الإنساني والسياسي، فهو مناضل ومثابر عنيد، وشخصية بالغة الذكاء والحنكة والدهاء، وكان محبًا للخير والسلام بلا حدود، وسعادة البشر، دون تمييز عرقي وديني، ومنِ المؤسسين العظماء لدولة إسرائيل، وبرنامجها النووي، وحماية أمنها منِ اعتداءات ومكائد مَن وصفهم «بالإرهابيين العرب».

وتحدث في الفيلم شخصيات وقادة دوليون بارزون، من بينهم الرؤساء الأمريكيون السابقون جورج بوش الابن، وباراك أوباما، وبيل كلينتون، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وغيرهم كثيرون، حيث أشادوا حتى الثمالة بمناقب وخصال بيريز القيادية، وما تعلموه منه خلال لقاءات رسمية وغير رسمية جمعتهم، وما خسره العالم وإسرائيل بعد رحيله، وأنه ترك وراءه إرثًا سيبقى حاضرًا وملهمًا للأجيال القادمة.

طبعًا لم يأت هؤلاء، ولو بالتلميح، على ذكر الدور الطليعي لبيريز في عصابة «الهاجاناه» الإرهابية، وهجماتها على القرى الفلسطينية، وارتكاب مجازر وحشية ضد الفلسطينيين والعرب، ومنها «قانا» مثلًا، وتخطيطه للعدوان الثلاثي على مصر بالاشتراك مع فرنسا وبريطانيا، وأنه العقل المدبر لتزويد إسرائيل بالأسلحة الفتاكة بمباركة أستاذه ومعلمه وقدوته ديفيد بن جوريون. 

هذا التصرف مفهومة دوافعه، إذ إن الغرض ينحصر في رسم صورة مثالية وباهرة لبيريز، الذي لا ننكر أنه كان من المؤثرين في الحياة السياسية والعسكرية الإسرائيلية لعقود، ومن البارعين في التلاعب بالألفاظ وتقديم أفكار بارقة تسلب الألباب من عينة الشرق الأوسط الكبير وغيرها من الأفكار الماكرة والخبيثة.

ومفهوم كذلك أن منصة «نتفليكس» متحيزة على طول الخط لإسرائيل وقادتها، ولا تكف عن إنتاج أفلام ومسلسلات عن اضطهاد اليهود، والهولوكوست النازية، ولن تتوقف عن ذلك، ولن تكون منصفة ولا عادلة وتقول الحقيقة كما هي، فذاك مشروعها وعلينا الإقرار بأنها تجيد تسويقه وتجني من خلفه المكاسب والدعم المالي، بينما يظل الصوت العربي والفلسطيني خافتًا ولا يكاد يُسمع ولا يرى في «نتفليكس» ولا بقية الدوائر السياسية والثقافية الأوروبية والأمريكية.

وبالتأكيد لن يفاجئك عند النظر في التفاصيل السابقة الخروج بنتيجة قاطعة، هي أنها ليست بجديدة وتتكرر كل حين، وأن إسرائيل تتصرف من مربع القوة والعنجهية الفظة، والقدرة الفائقة على تمرير وتنفيذ أهدافها بدقة وبما يلبي مصالحها، ولا يعوق طريقها أية حواجز، لا سيما في ضوء التطورات الأخيرة التي مكنتها بتنسيق ومساعدة أمريكية من إبرام اتفاقيات لإقامة علاقات طبيعية في العلن مع عدة دول عربية، وأحاديث عن ضرورة دمجها في محيطها الإقليمي، لأنها أضحت واقعًا لا بديل عن قبوله، والتعاطي معه بأريحية غير محدودة.

إن كان الأمر كذلك فما الجدوى والفائدة من الحديث عن «الحالم» شيمون بيريز والتوقف عند مضمونه المتحيز والمجافي للحقيقة التاريخية؟

الجدوى أعزائي هي الرغبة الصادقة في إطلاق صيحة تحذير مدوية من مغبة وتأثير مثل هذه الأعمال على عقول ووعي أجيالنا الشابة المقيمة إقامة شبه دائمة داخل «نتفليكس» وأخواتها من المنصات الأخرى الشبيهة، لأنهم بحكم السن، وقلة الخبرة والتجربة والاطلاع، ومعرفة ما يدور بالحاضر، ناهيك عما حدث بالماضي، عرضة لتصديق ما يرونه بالشريط السينمائي المعروض أمامهم، والتسليم بما فيه دون نقاش ولا تمحيص وتدبر.

مرة بعد أخرى لن يقتنعوا بما قد يصادفهم من حكايات وروايات وكتابات تكشف جرائم إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني والعربي، منذ نشأتها في 1948، ورويدًا رويدًا تستبدل بوجهات النظر الإسرائيلية المغلوطة والكاذبة والملونة، وتضيع هباء تضحيات ودماء مَن شاركوا في الحروب العربية الإسرائيلية، وستتمادى إسرائيل في الاغتصاب، والتعدي على سيادة بعض البلدان العربية كلبنان، وعلى الأماكن المقدسة في القدس المحتلة والأراضي الفلسطينية، والثروات الطبيعية، والسعي للتغلغل في النسيج الاجتماعي العربي، فالانتباه والحذر واجبان، وأن يُحصن العرب أبناءهم وبناتهم بالمعلومة الصحيحة ضد ما يُروج في «نتفليكس»، حتى لا يغيب وعيهم ويسرقه الإسرائيليون الصهاينة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة